الرقيب الغبيّ الرقيب نوعان: رقيب أمن دولة وأمن مجتمع، ورقيب كلام، فالاول يحرس الوطن ونحترمه، أما الثاني فلا يحرس سوى موقعه من سلم السلطة ووجوده كمتلص على الأفكار والمشاعر والإبداع، ومن ثم كمتحكم بمصيرها.
 الأول، الذي نحترمه، يتحرك - في بلاد القانون - باتجاه التحقيق، أن وجد ما يريب، وباتجاه القضاء أن توافرت لديه الأدلة، والثاني تنحصر مهمته بالمنع; يمنع المقالة، الكتاب، الفيلم، المسرحية، الاجتماع... الخ الخ، أنه باختصار معنيٌ بالأفكار ومرتعب منها، مع |أنه من ناحية أخرى ليست لديه سياسة واضحة أو محكمة بخصوص الأفكار، إذ لطالما جرت من تحت قدميه مياه تحمل آفات ولا أخطر، ولهذا حديث آخر.
ورقيب الأفكار دائماً غبي، وفي معظم الأحيان انتهازي، وكذلك جبان; لأنه وهو يتمتع بقدرته على الحجب والنشر يحسب ما يرتد عليه من منافع أن تملق للسلطة بتخفيض سقف الحرية وقمع الأقلام الحرة، فيلجأ إلى ما تخوله وظيفته من عسف، والأسوأ أنه يعلن ذلك من أجل حماية الوطن وحماية المجتمع! هذا الرقيب ليس بقادر أن ينشر آداب الحوار ولا أن يمارس اخلاقه، وليس بقادر على أن يعترف بالرأي الآخر ولا بوجود الآخر، أنه نموذج مثالي للتعصب الذي لا يكون إلا أعمى.
 وبينما الدنيا تطن وترن بالديمقراطية وافكارها والاعلان عنها، يكون الرقيب متخفياً وراء أقنعة جذابة منادياً مثل الآخرين بالديمقراطية وافكارها والاعلان عنها، ومثل اي ارضة يكون في العتمة يحصي الانفاس والافكار، ويعمل اظفاره وانيابه في نسيج الوطن اي في نسيج الحرية.
 لا يتمتع الرقيب عادة بأي بعد نظر، كما لا يستطيع ان يكون مبدعاً، ذلك ان شرط الابداع هو الحرية التي لا يؤمن بها، ويصادرها كيفما يستطيع واينما يقدر.. ولذا فإن مبدعاً في الفن او الافكار يضع تحفظه على الحرية عليه ان يحذف نفسه من الابداع قبل ان تحذفه حركة الادب والفن والتاريخ الذي سقط في امتحانه، كما سقط من قبل ذاك الرقيب الارضة في امتحان الوطنية.. فأي رقيب (وهو ذاك الذي لديه سلطة المنع والنشر) لا يملك الا ان يوصل المجتمع ونظامه السياسي الى مختنق قاتل، مهما يؤتى من مهارات التبرج.
 فرهاب الحرية، مرض يحتاج معه مصابه الى علاج في مصحات خاصة اسمها الديمقراطية وهواؤها وغذاؤها وماؤها الحرية، تعيد تأهيله للحياة السوية.. وتعد تأهيله للمجتمع العفيَّ الذي تنجح الحرية تجاربه. الأفكار لها أجنحة وان أمهر الصيادين لا يقدرون على قتلها.. ولذا فالرقابة مهنة من لا مهنة له، ولا موهبة له.. وعلى ذلك، فالأفكار تعيش مهما صودرت، ويموت الرقيب غالباً في حجر غيظه، لان الافكار تهاجر الى منابر لا تصل اليها سلطته ونفوذه، ومن هناك ترفرف عالياً في عقول الناس وقلوبها...

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد