كثيرة هي المحطات التي تجعل النهج الاقتصادي عرضة للتحول والتغيير، لكن الأزمة المالية العالمية أشدها وضوحا، بعد أن شكلت صدمة لمعظم الأفكار الاقتصادية المعاصرة، وأعادت النقاش حول الشكل الاقتصادي المطلوب لتجنب المخاطر وإنعاش حياة الناس دون الإغراق في اقتصاديات القمار والمشتقات المالية المخادعة.
مر الاقتصاد الأردني بمراحل عديدة في العقود الثلاثة الأخيرة انحدر في بعضها تارة، لا سيما في الأوقات التي اعتمد فيها على المساعدات الخارجية، وصعد فيها تارة أخرى عندما استعاد عافيته وخرج من استحقاقات مؤسسات التمويل والمانحين الدوليين أكثر قوة وأكثر جرأة على تقديم برنامج إصلاح وطني فيه عين ترقب حال المواطن وتحنو عليه رغم قسوة الظروف.
واخترق صورة الإصلاح الآنفة ذات البعد الاجتماعي جهد مخطط لتحويل الدولة إلى شركة وسط الارتهان إلى إرادة المؤسسات الغربية بخاصة الأميركية في تحقيق التحسينات المالية والضريبية وفي رفع يد الدولة -كيفما اتفق- عن رعاياها بصرف النظر عن قدراتهم على التكيف مع الحال الجديدة لنظريات ما سمي "تيار الليبرالية الاقتصادية".
لا ضرورة لاستعراض إخفاقات الماضي الاقتصادية، ولكن تحديات العام الحالي وما سيلحقه من أعوام تحتم على صانع القرار في البلاد حسم هوية النهج الاقتصادي للدولة والخطط الكفيلة بإنجاح هذا النهج مع الحفاظ على قدرة الأردنيين عالية لمواجهة الاستحقاقات المترتبة على مسارات الاقتصاد المقبلة، وفي تقديري أن التيار التقليدي -الحرس القديم- الذي يتغزل بالدور القديم للدولة ويعادي الخصخصة شكلا ومضمونا قد فشل في تقديم حلول عملية لمواجهة التغيرات التي شملت الفرد والدولة على حد سواء بعد عقود من تسارع عجلة الاقتصاد والتكنولوجيا.
وفي مواجهة هذا التيار، ظهر على السطح تيار يؤمن بالرقم أكثر من إيمانه بالإنسان، ويشعر أن الدولة -أي دولة- يمكن أن تكون برسم البيع إذا ما حظيت بصفقة "مقنعة" ماليا، والكل يعلم أن هذا التيار قد دفع بالاقتصاد إلى مجاهيل حاولت حكومة البخيت وحاليا حكومة الذهبي التخلص منها تباعا عبر تكريس دور الدولة الاجتماعي وقبل ذلك الإنساني.
الصدمة الحقيقية لهذا التيار لم تكن المواجهات والمشادات والاستقطابات الداخلية التي ظهرت لمحاولة ثنيه عن مساره، وإنما من خلال الأزمة المالية العالمية، فاقتصاديات القمار ثبت فشلها والمشتقات المالية انتهت إلى كونها خديعة، وتكبير فقاعة العقار والحديث عن مئات المشاريع التي ستملأ ارض عمان وسماءها بالاسمنت وألواح الزجاج لم يغيرا في واقع الفقر والبطالة الكثير.
والاهم من ذلك أن عددا كبيرا من هذه المشاريع توقف مع بدايات العام الجديد بسبب الأزمة المالية وانحسار التمويل، وهو ما يجب أن تتوقف معه الدعوات المتكررة للاستمرار في هذا النهج من مشاريع مدن يجري التخطيط لها على الورق والأبراج ومساعي تحويل الأردن إلى دبي ثانية.
عمان لا يمكن أن تكون دبي ثانية، والمطلوب الاستعاضة عما سبق ببرنامج وطني -مرة أخرى- ووفق خط ومسار إصلاحي يؤمن بالليبرالية كما يؤمن بالفرد ومستقبله وأمنه الاقتصادي، مسار يسهم في تكريس الاعتماد على الذات وتكون فيه تشريعات البلاد من واقع حياتنا لا أن تكون شركة "بيرنغ بوينت" هي من تشرع لنا الضرائب والإصلاح المالي، فيما يقف المسؤولون والنواب والموظفون الأردنيون موقف المتلقي لما تجود به أفكار الشركة الأميركية.
نحتاج إلى إطار عام لعقد اقتصادي جديد بين القطاعين العام والخاص يعتمد على الشراكة لا التبعية، وبحيث تكون ملفات الفقر والبطالة هي الأساس في أي منتج اقتصادي أو اتجاه يتحرك نحوه القطاعان، وعدم الترويج الاستعراضي لمشاريع لا رصيد حقيقيا لها على الأرض ولا تشغل إلا فئات محدودة من الأردنيين.. هذا العقد يجب أن يصاغ في ظل واقع غير إقصائي وفي ظل غياب المصالح الشخصية والطموحات الفردية، وبما يسمح لنا بالعودة إلى الافتراض المنطقي بأن الإنسان أداة التنمية وهدفها.
حسن احمد الشوبكي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حسن احمد الشوبكي العلوم الاجتماعية الآداب