أين نحن مما يجري في العالم؟ الاقتصاد الأردني، منذ نشأته اقتصادا مختلطا، حقق نتائج باهرة وثبت على ذلك في إقليم كانت الدعوة فيه للاشتراكية قوية فاعلة وجاذبة، إلا أنه في السنوات الأخيرة وتحت الضغط نزع الأردن جلده الذي حماه لعشرات السنين، وسار مع المؤمنين الجدد، فخصخص وأضعف الإدارة الحكومية بحجة عجزها وفتح أسواقه وقلص منظومته الرقابية ورفع الضرائب.
فماذا جنى؟ نحتاج إلى دراسة تقييمية محايدة توضح التجربة الأولى والثانية لنرسم خطى المستقبل على أرض أصلب من ممارسات (وول ستريت) وسحر مشتقاته واقتصاد الكازينو وأبطال التايكوندو الاقتصاديين والماليين.
تربعت الرأسمالية على عرش الفكر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العالمي، بعد انهزام الاتحاد السوفييتي وفكره وتجربته وتحلله إلى دول ودويلات، انزوى معها فكره الاشتراكي الذي صارع على مدى أكثر من سبعين عاما وبنى تجربة شدت إليها دول العالم الثالث الذي أراد أن يجرب حظه مع هذا الفكر الذي تحدى الفاشية الهتلرية وانتصر عليها بثبات ومكّن "جاجارين" من الدوران في الفضاء حول الأرض، وداعب حاجات البشر الأساسية من أمان المأكل والملبس والمسكن والعلاج، لينتهي على يد أبنائه، ملتزمين أوعاقين، لا فرق في المحصلة النهائية بينهما، فكر مهزوما.
إلا أن الأزمة الاقتصادية العالمية أعادت خلط الأوراق، عندما أرغمت منظريها وممارسيها على المعاناه وتيقنوا أن الأزمة الاقتصادية من إفرازات الرأسمالية وفي صميم رحم المؤمنين بها، لتعصف بصروحها من " ليمان برذرز" إلى "ميريل لينش" وغيرهما، وذلك عندما لم يجدوا غير تدخل الدولة وقيامها بدعم الاقتصاد ومؤسساته المنهارة.
بشّر"آدم سميث"ومنذ عشرات السنين بقواعد الرأسمالية وأفكارها، وترك الكثيرين ليستمروا بالدفاع عنها من بعده، وكان له ما أراد، وأكثر مما توقع.
لقد طرحت الرأسمالية مبادئ "حرية السوق" وقدرات الاسواق الطبيعية الخارقة القادرة على تصحيح أوضاعها، كما طرحت مبدأ "أولوية دور الفرد" ومصلحته الشخصية وكونه ركيزة المجتمع القادرة على تحقيق مصلحة الجماعة، ولتبقى هذه "اليد الخفية" تشعل أتون النمو من دون توقف، ما يجعل من الرأسمالية خلية مستمرة التوالد، تحمل في طياتها أكسير الدواء لأي علة تصيبها، وقدمت الرأسمالية مبدأ "حرية التجارة" وانفتاح الأسواق على بعضها من دون عوائق، ما يجعل ثروات العالم الطبيعية والمعرفية ملكا للجميع، وقدمت الرأسمالية الاقتصاد من دون قيود وكرس منظروها كل إمكاناتهم ليقنعوا العالم بأن القيود تعطل الرخاء وتخنق الفكر والطاقات.
وجاءت رياح الأزمة لتثبت أن "حرية السوق" عاجزة عن تصحيح تخبطه ولا تملك تعويض ضحاياه عن خسائرهم، كما فضحت مبدأ أولوية دور الفرد ومصلحته، عندما تبين أن هذا الفرد وهو يمضي لتحقيق مصلحته، يدوس على كل ما يعترضه من معوقات وقيم ويلغي أي دور لأي طرف آخر يقف في طريقه ويخترع من المبررات ما يحافظ على زخم حركته غير عابئ بما يتركه وراءه ومن حوله من ضحايا.
كذلك، هدأت "حرية التجارة" عندما وجد منظروها أن مصلحتهم تقتضي الخروج عن قواعدها لحماية منتجاتهم، وفي الوقت نفسه أوضحت الأزمة الحاجة إلى القيود والرقابة فبدأ منظروها يراجعون أنفسهم تمهيدا لتعديل منظومة قوانينهم وإجراءتهم التي تحمي عالمهم وعالم غيرهم أيضا.
لست مع الرأسمالية كما روجها وول ستريت ولست مع الإشتراكية التي عجزت عن حماية منجزاتها، لكنني أبحث كغيري عن الطريق الثالث، فهل نقيم تجربتنا لنرسم طريقنا إلى المستقبل؟
المراجع
alghad
التصانيف
صحافة زيان زوانه جريدة الغد