كانوا يتهامسون، وبعد دقائق علت اصواتهم الممزوجة بالغضب على الحال التي انتهوا اليها. احدهم يعمل مدرسا للغة العربية في مدرسة حكومية منذ سبع سنوات استفاض في الحديث عن الديون التي تلاحقه وآلام القلب التي بدأت مشوارا لا يعرف احد كيف سينتهي، بينما ذهب آخر الى انتقاد التملق والكذب اللذين يمارسهما بعض من زملائه في شركة اتصالات خاصة ويلقى رواجا لدى المدير الذي يمنح العلاوات وفقا لمؤشر التملق، وبين الاثنين كان ثمة طبيب ساهم الطرف ويتأمل في المدى، بينما هواجسه تبحث عن إجابات لسؤال شراء الشقة الذي تلح عليه الزوجة منذ عشر سنوات.
همومهم تتشابه، ويختلط فيها الاقتصادي والثقافي والسلوكي والاجتماعي، همسهم لم يكن في قاعة حزبية أو نقابية أو في محفل رسمي، فئاتهم العمرية ليست متقاربة لكن عمق الألم في مجلس عزاء، وبدا ألمهم اكبر من كلمات العزاء التي تناثرت من حولهم.
هؤلاء وملايين آخرون، كان ثمة من يعيش حياة أفضل منهم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تملؤها السعادة والطمأنينة والرضا، وظلوا يتغزلون بجماليات الحياة ويحيطون ببعضهم في بنية مجتمعية أفضل تجانسا ورفاهية اقتصادية معقولة، وتمكنوا من المشاركة في إطلاق جيل من المعلمين والأطباء والمهندسين وسواهم من مهن احترافية أخرى، وارتفعت كلمات المديح لهم في الداخل أو في اغترابهم القريب ضمن الجغرافيا العربية وحققوا تكاملا ذكيا وثنائية رائعة انطوت على فوائد جمة قدموا فيها خبرات ومعرفة وحصلوا على ما استحقوا من استقرار وأمن معيشي.
الكلمات الآنفة ليست مقدمة لرواية أو قصة قصيرة، لكنها محاولة لرسم صورة المشهد الاجتماعي والاقتصادي في لحظة المعاناة الحالية، فمنذ مطلع التسعينيات وبعد تطبيقات الخصخصة وتحرير السوق وانسحاب الدولة غير المدروس من ساحات كثيرة، وانخراط الناس في عولمة مفتوحة على كل شيء واتساع البون بين من يملك ومن لا يملك، كل الملامح السابقة وغيرها أسهمت بشكل مباشر في تلاشي الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية ومنها المجتمع الأردني لصالح إعادة دمجها إما في الطبقة العاملة متدنية الدخل أو طبقة وسطى جديدة أقرب الى طبقة الاغنياء وذوي الدخول المرتفعة.
الانذار المبكر الذي اطلقه مؤخرا رئيس الوزراء السابق معروف البخيت -ودرج على اطلاقه مسؤولون كثر غادروا موقع المسؤولية- حيال التحذير من خطر انهيار الطبقة الوسطى في البلاد بفعل توغل الفقر والبطالة وتركز الثروة في ايدي فئة محدودة من السكان، يعد مقلقا الى ابعد مدى، إذ تتسيد روح الاستياء العام وبما يفتح الطريق للانجراف الى العنف وترسيخه في مجتمع كان قبل وقت قريب يسيطر عليه التسامح، بيد أن التشخيص وحده لا يكفي وربط الاسباب بالنتائج لا يغير في الصورة كثيرا، فيما المطلوب ان يكون مبدأ العدالة والمساواة بين كل الاردنيين هو الاساس في كل تطبيق وتشريع وسياسة واستراتيجية، وقبل ذلك ان يكون هذا المبدأ هدفا للنمو الاقتصادي لا ان يكون ضحية لكل اشكال النمو الاقتصادي منذ نحو 15 عاما.
نتائج الدراسة الاكثر خطورة التي انجزها مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الاردنية العام الماضي، كشفت عن تشوه في توزيع الثروة لكون اغنى 2% من السكان يمتلكون 13% من اجمالي الدخل، في حين يمتلك افقر 30% من السكان اقل من 11% من مجمل الدخل، وانتهت الدراسة الى ان الطبقة الوسطى تقلصت، بحيث اندمجت الى اعلى وإلى ادنى، مع ترجيح الهبوط الى ادنى اضعاف اضعاف الاندماج الى اعلى.
خلال عمل تلفزيوني شاركت فيه قبل سنوات في الدنمارك، كنت مضطرا للاجابة عن سؤال يتكرر أمامي عدة مرات كل ساعة ومضمونه "هل انت سعيد؟" وعندما كنت اسأل عن جدوى السؤال وتكراره كلما قام المرء بعمل، كانوا يجيبون "إن مجتمعنا بني على اساس التكافؤ في الفرص والمساواة والعدالة، وكلها تساعد في تحقيق السعادة" وتكرار السؤال كعادة على لسان الكل يعزز من ضرورة التأكد من مدى سعادة الفرد كل لحظة وبكل تفاصيل حياته ومعيشته، وبعد الاجابة سألوني "are you happy".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي