لم تفلح حكومات محلية سابقة، ولا حتى الحكومة الحالية في تضييق الخناق على الفقر، وتعثرت برامج حزمة الأمان الاجتماعي الحكومية على امتداد السنوات الاخيرة بعدد مفتوح من أسباب الضعف والفشل، ليس أقلها عدم وضوح الرؤية وترهل الكوادر المعنية بمتابعة ملف الفقر.
ليس بعيدا عنا، وتحديدا في سورية  ومصر ولبنان ودول عربية أخرى، ثمة فرق واسع بين الطبقات، وثمة اختلال مرعب في معادلة من يملك ومن لا يملك، وتبع ذلك تلاشٍ للطبقة الوسطى لصالح مزيد من الثراء الفاحش والفقر المدقع وفق اتجاهين متعاكسين دوما، وفي وسط هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد عربيا تتشابه ظروف الحياة للناس وتتعقد وتنتشر العشوائيات ويصبح التمهيش سيدا في موقف بائس، ويحدث هذا كله في ظل صمت الحكومات التي لم تتحرك لتوفير تمكين اقتصادي لشرائح المجتمع وبما لا يساند في تحقيق الأمن بكل صوره المطلوبة لاحقا.
حزمة الأمان الاجتماعي في الأردن ليست أمرا جديدا تختبر فيه الحكومة قدرتها على الأداء، فلقد مضى عليه سنوات ، لكن لحظة التقييم لما أنجز من تنفيذ برامج ذات صلة بالحزمة تدعو للخجل ، فلقد زادت بؤر التوتر والفقر في غير بقعة جغرافية على امتداد بلادنا، وزاد معها احتقان المجتمع ضد كل من يتطلع لإنقاذه بعد أن سيطر الشكل الاحتفالي على جهود ملاحقة ملفات ثقيلة، الفقر والبطالة، وغاب المضمون لصالح عبث الجهات المنفذة، وهو عبث يصل إلى حد الإجرام عبر تزوير أسماء مستحقي الدعم من الفقراء وايصال المساعدات إلى غير أهلها، إذ يروي موظفون في الحكومة قصصا للفساد والنهب والتوزيع غير العادل، وأكثر من ذلك الفشل في تحويل الدعم من نقدي إلى برامج انتاجية تؤسس لواقع مختلف للأسرة الفقيرة.
مشاريع لم تر النور وبقيت حبرا على ورق، وأخرى نسبة الانجاز فيها صفر، وثالثة نهبت أموالها في غير سبيل تم التخطيط له مسبقا، وغيرها ممن فشل تطبيقه في تحقيق رؤية التحول، ونظرة تحليلية لتقرير نسب "الانجاز" في موضوع مكافحة الفقر المنشور على موقع وزارة التنمية الاجتماعية للشهور الستة الماضية يكشف رداءة المنجز فمثلا رصد في قانون الموازنة (2009) مبلغ 52 ألف دينار لتشغيل الأسر المنتجة، لكن المصروف من هذا المبلغ لم يتعدَ 26 % بعد مضي نصف عام على الموازنة، وهكذا أيضا بالنسبة لإنشاء مساكن الأسر الفقيرة، فالمخصص في الموازنة 2.4 مليون دينار ونسبة الإنجاز لم تتجاوز 15.8 % ، والأمر لا يقف عند ضعف المنجز بقدر ما يتعداه إلى غياب المضمون عندما تتبعثر جهود تحقيق الأمان الاجتماعي وتنفق الحكومة تلو الحكومة على برامج ومشاريع لا تغير كثيرا في الواقع المعاش ، في الوقت الذي تتسارع فيه حاجة المجتمع إلى صورة أكثر نضجا وأكثر مؤسسية في تغيير حياة الناس ونقلهم من دائرة المخاوف والهواجس إلى فيافي الطمأنينة والاستقرار.
الاستجواب الذي تقوم على متابعته حاليا النائب ريم القاسم ضد وزيرة التنمية الاجتماعية هالة لطوف حول " شبهة المسؤولية عن إفشال حزمة الأمان الاجتماعي التي جرى تكليف الحكومة بها قبل عشرين شهرا"  قد يكون فاتحة لتصويب عمل حكومي لطالما تعثر، فإنفاق مئات الملايين على هذه الحزمة لم يغير في المشهد كثيرا، فثمة سياسات إفقار قوامها أداء حكومي مرتخ وغير ذي صلة بواقع وأنين السكان.
في جولات ميدانية  للتغطية الصحافية لموضوع الفقر في أقصى الجغرافيا، كنت أرقب إهمالا متكررا وعدم صدقية في المتابعة، وأعتقد أن الأوان قد حان لمراجعة نقدية صارمة لكل الجهود الحكومية في هذا المجال، حتى لا تتفشى الجريمة وتتداعى القيم ويحل الحقد والكراهية ومحل الوئام والمحبة في المجتمع ، لنحذر جيدا ونحن نقارن ما يجري لدينا بما يجري لدى جيراننا، فما يحدث في مصر من تهميش وعزل للسكان وخراب مجتمعي يقوّض أركان الدولة كلها، لكننا نحلم هنا  بأن يكون واقعنا أفضل، ولدينا فرصة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حسن احمد الشوبكي