تتزايد حساسية المجتمع تجاه تطبيق التكافل في شهر الصيام، وتتزايد معها جهود الخير التي تستهدف التقرب من الفقراء ومحاولة ملامسة أحوالهم الرثة بحثا عن إجابات لأسئلة الإهمال والتجاهل منذ عقود.
تصادفني من وقت لآخر ردود فعل حقيقية  تستوقف التأمل والتدبر، وتأتي تلك الردود بعيد إشهار وضع عائلة عبر وسائل الإعلام جراء ما تعاني من عبث الفقر، وتموج مشاعر المتصلين ومواقفهم بين من يبكي ولا يملك إلا الدموع حيال واقع صعب اشتبك مع ناظريه على الشاشة الصغيرة، وبين آخر يدعو إلى حماية الفقراء مما هم فيه، ويصل به الامر الى ارسال الاموال بغية انقاذهم.
في الاسبوع الماضي، اتصل بي رجل أعمال  من الامارات العربية المتحدة، وتكفل بعلاج طفل عراقي (7 سنوات) لجأ الى الاردن ويعاني من سرطان الدم وكان الاعلان عن الكفالة بمبلغ 100 الف دولار بعد ان عبر المتبرع عن فيض من مشاعر جياشة تحاول في هدفها النهائي البحث عن الشهامة والاصالة في مجتمعاتنا نصرة لطفل صغير خرج من بلاده المحتلة يرجو العلاج ولم يجده.
وبعد هذا الاتصال بيومين، انبرى آخر -أيضا من الامارات- ليدفع زكاة أمواله لأرملة عجوز تعاني من وعثاء الفقر وتقوم على إعالة تسعة أفراد وهي تحتاج الى من يعيلها، وذلك بعد ان رأى مشهد عائلتها البائس على شاشة "الجزيرة"، وثمة ثالث من السعودية قرر ان يشتري لها بيتا، لينتهي النهار باتصال سيدة عربية تعيش في كندا ظل البكاء مصاحبا لصوتها الذي أعلن في نهاية الامر تبرعها بما جادت به نفسها.
التقارير التي تلامس معاناة الفقراء -لا سيما المنشورة في "الغد" وفي صحف يومية اخرى- تساعد في كشف جانب من مشهد العوز الذي يغيب عن أذهاننا، وتظل الصورة التلفزيونية أكثر تأثيرا باعتبارها ترصد الصورة كاملة، لكن الشاهد الأكثر وضوحا ان تأثير ما يقدمه الاعلام عن احوال الفقراء بات مباشرا وعميقا في صفوف القراء والمشاهدين، ونجح الى حد بعيد في التأثير على مشاعر من يرقب عبر الورق والشاشة والمأمول ان يؤثر لاحقا في جهود مأسسة حماية وتمكين الفقراء.
ثمة تقصير في الوصول إلى بؤر الفقر، ويتنازع هذا التقصير بين خطين متعارضين، الاول رسمي ويعتمد تقديم معونات عاجلة وربما رواتب شهرية، لكنها ليست سوى جراحة تجميلية لا تصمد طويلا لواقع مشوه، وفي بعض الاحيان تصل تلك المعونات الى غير مستحقيها، والثاني خاص ويتراوح بين جهد مؤسسي تقوم عليه جمعية المركز الاسلامي من كفالة ورعاية عشرات الالوف من الايتام والعائلات الفقيرة ويوازي جهدها هذا جهود مؤسسات وجمعيات خيرية عديدة، لكن العلاقة بين الطرفين الرسمي وغير الرسمي في ملف مكافحة الفقر ليست تكاملية ويشوبها الشك وعدم الثقة وحتى التخوين.
يحتاج الفقراء الى بنك خاص ومركز دراسات متخصص وإعلام جاد وجهود مؤسسية تسعى لنقلهم من حالهم الضعيفة إلى احوال اخرى جديدة يستطيعون فيها الاعتماد على انفسهم والبدء من جديد، وقبل ذلك الى تكامل الجهد الرسمي مع الآخر غير الرسمي بغية تمكين من غابت عنه شروط الحياة.
الفقراء في بلادنا يحتاجون الى ما هو أكثر من المشاعر والعواطف والدموع التي سرعان ما تذوي لصالح تجاهل جديد على ايدي ذات الافراد الذين كانوا قبل قليل يتباكون على الفقر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حسن احمد الشوبكي