أعددت لمقابلة تلفزيونية مع مسؤول في دولة اسكندنافية للحديث عن رأيه في رضى الناس عن حكومته، وتسلحت قبيل المقابلة بجميع الأسئلة التي توغل في نقد تلك الحكومة استنادا إلى رأي معارضين، لكن هذا المسؤول لم يتمترس خلف طاولة فخمة وأمام بيارق كثيرة ، بل فضل أن يكون اللقاء في متنزه عام وسط الناس، وكانت المفاجأة عندما التقيته.
فلقد جاء وحيدا – دون حرس أو مدير مكتب أو سكرتيرة - على دراجة هوائية " يخجل " من ركوبها ابن مسؤول من الدرجة الثالثة في بلادنا، وكانت المفاجأة أكثر وقعا، عندما بدأ حديثا صادقا عن خطط التقشف وضبط الإنفاق والمستقبل والتفكير المبدع لتحسين مستوى خدمات النقل في بلاده وغيرها من الأفكار التي نفذ بعضها وما يزال يسعى بصورة مؤسسية لتطبيق أخرى.
ثمة تقديس وحساب وعقاب لكل من تتجرأ يده على المال العام، ويرافق ذلك سيل غير منته من التعليمات والقوانين وأجهزة الرقابة الحقيقية في الدول الديمقراطية التي تضع المسؤول أمام مرآة احترام القانون، وبما يعزز في نهاية الأمر من شفافية العلاقات داخل الحكومات المتقدمة وكذلك في علاقتها مع البيئة المحيطة بها في بلدانها، ولكن عكس ذلك ما نراه في واقعنا المحلي والعربي وكذلك في الدول غير الديمقراطية .
حكوماتنا تتفنن وتغرق في إنفاق وبذخ لا حدود لهما ، فعلى شاطئ البحر مئات الندوات والمؤتمرات التي لا تحرك في مشهد السياسة والإقتصاد والإجتماع شيئا ، أما المهمات الخارجية فحدث عنها ولا حرج.
ليست المؤتمرات والسفرات والسيارات فحسب، بل إن أثاث مكاتب المسؤولين لدينا يضاهي في فخامته أثاث اكبر الحكومات في شرق الأرض وغربها.
وفي مقارنة سريعة ، فأن الحكومة الأردنية تنفق ما يقارب 45 % من الناتج المحلي الإجمالي، في الوقت الذي تنفق الحكومة الأميركية في المتوسط أقل من 20 % من الناتج المحلي الإجمالي مع فرق مضمون الإنفاق بين البلدين، وبما يعني أن حجم الحكومة الأردنية يعادل أكثر من ضعف حجم الحكومة الأميركية نسبة إلى الناتج المحلي.
يبحث رئيس الوزراء نادر الذهبي حاليا عن سبل تساعده على الولوج من خلالها لضبط الإنفاق وتجاوز مأزق العجز في الموازنة، وكان قبل أيام قد سعى إلى إلغاء " كوتات " الحج و منع تقديم هدايا السلاح إلى المواطنين و"النخب"، لكن تلك الإجراءات لا تكفي ولا تغير في مشهد البذخ المتراكم شيئا.
مطلوب تجاوز الشكل إلى المضمون وتفعيل مؤسسات الرقابة لا سيما البرلمان وهيئة مكافحة الفساد وديوان المحاسبة ، وذلك لقطع الطريق على أي مسؤول يسعى لاستباحة المال العام، وبما أننا نبحث عن النفط خارج الحدود، فيجب وقف التوسع في استخدام سيارات الدفع الرباعي لمعظم شرائح المسؤولين، كما يجب وضع معيارية لأثاث مكاتب المسؤولين ومنع تبديله إلا بشروط قاسية، وقبل ذلك غض النظر عن المشروع الذي لا يتناسب وقدرات البلاد الحالية وهو إقامة مدينة حكومية بمبلغ 1.2 بليون دينار بعد أن استملكت أمانة عمان مؤخرا 1100 دونم في عبدون لتلك الغاية التي تنطوي على ترف وفخامة لا مكان لهما.
حسن احمد الشوبكي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حسن احمد الشوبكي العلوم الاجتماعية الآداب