منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية، وحتى قبل أن يتحقق الكثيرون من حجمها وأبعادها أميركيا وعالميا، كنا قد حذرنا من تتابع آثارها على اقتصادنا رغم صغره، وقلنا إنه بطبيعة وحجم انفتاحنا على الاقتصاد العالمي فسيتأخر وصول تداعيات الأزمة إلينا، كما سيتأخر خروجنا منها عن بقية العالم أيضا وطالبنا بخطة مواجهة تحت عناوين متعددة في هذه الزاوية.
وبدأت الأرقام تكشف تراجع أرباح البنوك بنسبة 25% وتراجع أرباح الشركات بالمجمل، وتراجع التدفقات الاستثمارية عامة وخاصة، وتراجع حجم التداول في بورصة عمان، وتراجع القطاع العقاري بنسبة تصل إلى الثلث، وكنا قد حذرنا من تراجع حوالات المغتربين وفصلنا أن هناك ما يطلق عليه "زيادة الدفعة الواحدة والأخيرة" التي لايمكن تحديد مسار الحوالات في المستقبل القريب بناء عليها، كما كشفت الأرقام تراجع معظم العوائد التي تصب في حساب الخزينة العام، فتراجع أرباح الشركات والبنوك سيتلوها تراجع حصيلة الخزينة من عوائد الضريبة على الأرباح وعلى ضريبة تداول العقار، كما أن تراجع الإنفاق سيتلوه بالضرورة تراجع حصيلة الخزينة من الضريبة على المبيعات.
في الوقت نفسه، الذي أرادت فيه الحكومة أن تظن أنها في منأى عما يجري في العالم، فقد استمرت في اعتقادها هذا ولذلك لم تفعل الكثير، أما مالم يعد مقبولا لأنه ليس موضع اجتهاد أو اختلاف في التفسير والرؤية فهو استمرارها في وتيرة الإنفاق وكأن الأيام كلها ماضيها وحاضرها ومستقبلها أيام " قمرة وربيع"، فاستمر الإنفاق الحكومي حتى وصلت زيادته حتى نهاية الشهور السبعة الأولى من العام الحالي 2009 ما نسبته 14% مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، وزادت عليه باستمرارها بالاقتراض من الداخل حتى وصل رصيد إجمالي الدين العام، داخلي وخارجي إلى 1 و9 بليون دينار، هذا علما بأن حوالي 5 و5 بليون منه دين داخلي من البنوك المحلية نافست فيه الحكومة قطاعات الأقتصاد الأخرى، ووصول عجز الموازنة إلى مستويات خطرة فإن الحكومة تكون قد وضعت أقدارها الإقتصادية في مهب الريح، ما لم يكن لديها حلول سحرية للخروج من أزمة أدخلت نفسها فيها.
كذلك، فإن استمرار اعتمادها على حصيلة الضرائب المختلفة سيوصلها إلى مواجهة حالة لا يستطيع المواطن أن يتحمل معها المزيد، بما لهذا من أبعاد اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية.
ما العمل؟
سبق أن طالبنا منذ قرابة العام الحكومة بأن تنتهج خطة لكبح جماح إنفاقها ووضعه على خطة سلامة تسير عليها، بما في ذلك المؤسسات شبه الحكومية وان يتم التركيز على الإنفاق الذي لا مناص منه، في نفس الوقت الذي يجب فيه أن تقود سياسة الترشيد  لتكون بمثابة النموذج الذي يستحق ان يتبعه الآخرون.
وسبق أن طالبنا الحكومة والمؤسسات المعنية أن تسارع في تبني خطة تساهم فيها البنوك بضخ الائتمان في شرايين الاقتصاد بدلا من تيبيسها وخنق الاقتصاد، ودعونا إلى الخروج من حالة الانفصام التي ندعو فيها القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدوره بينما مؤسساتنا المصرفية تمنع عنه أوكسيجين الإنتاج والحياة ، وطالبنا بدور أكثر صرامة لتقوم المؤسسات جميعها بدورها، فتضغط الحكومة نفقاتها، وتدفع البنوك بقروضها لمن يستحق ويقدر على السداد.
استمرار الحكومة بالإنفاق، واستمرارها بالاعتماد على الاقتراض وعلى ضريبة المبيعات بينما تتراجع إيراداتها، واستمرار اعتمادها على سياسة التطنيش والتصريحات الاستفزازية لبعض الوزراء ودفع المشاكل إلى الأمام سيضعنا على طريق الانفجار.
انطلقت نداءاتنا وتحذيراتنا من قرابة السنة ولم يسمعها أحد، فهل هناك من يسمعها الآن؟

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زيان زوانه   جريدة الغد