تتزايد صور الغلاء في العالم العربي بطرائق مفزعة، ولا تتوقف عند حد أخلاقي أو غير أخلاقي.
ولا تختلف تلك الصور في شرق العروبة أو غربها، فثمة تشابه في إدارة الدول ونهب الخيرات وتنفيذ الخصخصة وفق أساليب تغيب عنها أبسط شروط النزاهة والشفافية.
هنالك حملة لمقاطعة اللحوم في مصر بعد ارتفاع أسعارها إلى 80 جنيها للكيلو الواحد، وسبق تلك المقاطعة إجراء مماثل في الأردن عقب صعود أسعار اللحوم إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي التجربتين فإن إعادة بناء العرض والطلب في الأسواق التي تضج بالفقراء يجب أن تكون مدخلا لتغيير واقع تفرضه احتكارات نجمت عن تواطؤ حكومات مع تجار، وأفضى إلى موجات غلاء لا طاقة للمستهلك العربي أينما كان على تحملها.
المتابع لوجهة نظر رجل الشارع والمستهلك البسيط في العالم العربي يكتشف أن هنالك مقاطعة قسرية ينفذها أرباب الأسر وعوائلهم من دون أن ينووا ذلك، وهنالك من يتندر على دعوات المقاطعة تلك في القاهرة ودمشق وعمان وسواها من مدن عربية شملها الغلاء بقوله:"سوف أقاطع النظر إلى محلات اللحوم عندما أمر بأبوابها" وذلك بعدما أصبح شراء اللحوم ضربا من المستحيل بالنسبة له.
من المفيد أن تدخل المطاعم في مصر على خط المقاطعة، فامتناع ربع المطاعم عن تقديم اللحوم الحمراء يساعد في حلحلة الأسعار التي تتصاعد من دون مبرر، وأفضت إلى عزل المجتمع المصري بين أقلية قليلة تستطيع أكل اللحوم في أي أوقات شاءت وأغلبية لا تملك فرصة أو قدرة على فعل ذلك ولو لمرة واحدة في الشهر.
ولم يقف مشهد الغلاء عند ارتفاع السعر بل تعداه إلى سلوكيات غير أخلاقية يقوم من خلالها بعض أصحاب الملاحم في المناطق الشعبية في العاصمة المصرية بذبح الخيول والكلاب والحمير والقطط النافقة وبيعها باعتبار أنها لحوم مستوردة وبأسعار مغرية لا تتعدى 10 جنيهات للكيلو الواحد.
ليست مصر وحيدة في ذلك، فالفقر دفع بعض العائلات المحرومة والمهمشة في تونس لا سيما من ذوي الدخل المحدود إلى الإقبال على شراء لحوم الحمير التي باتت رائجة بسبب تدني أسعارها.
فالأحياء الشعبية الفقيرة في العاصمة التونسية تعد من أكبر مستهلكي لحوم الحمير ويباع الكيلو الواحد بثلاثة دولارات ونصف، في حين يرتفع الكيلو الواحد من لحم الضأن إلى أكثر من 10 دولارات.
الجزائريون ليسوا أفضل حالا وكذلك السوريون، فثمة عتبات للفقر يرزح تحتها أكثر من ثلث السكان في كلا البلدين، وتسببت الخصخصة في الجزائر بتعميق الفقر؛ إذ تم إغلاق 40 ألف مؤسسة مما ترتب عليه تسريح نحو نصف مليون عامل، لتنضم تلك الفئة إلى قائمة الفقر الآخذة في الاتساع كل يوم.
قد يبدو ترفا الحديث عن اللحوم وقدرة المستهلك العربي على التعامل مع أسعارها، فالمواد والسلع الأساسية من سكر وأرز وطحين وعدس وحليب وغيرها من أبسط مقومات الغذاء للأسرة، باتت في غير متناول محدودي الدخل عربيا؛ إذ يستمر تصاعد أسعار تلك السلع عالميا ويستمر الاعتماد على استيرادها بعد أن فشلت معظم الخطط والسياسات الزراعية العربية في تحقيق الحد الأدنى من الاعتماد على الذات، أو حتى توفير الحدود الدنيا لاحتياجات مجتمعات تتسع في أنماط استهلاكها.
مقاطعات وفشل متكرر وفساد واحتكارات وأسعار جنونية وبرامج خصخصة لم تعد بالفائدة على شعوبها، وفي موازاة ذلك كله حكومات تصر من أقصى الشرق العربي إلى أقصى الغرب على أن أزمة الشعوب تكمن في أنها ناكرة للجميل ولا تنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس!

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب