لا أعلم لماذا لم تول السياسات الرسمية والاستراتيجيات والتوصيات العديدة، ومعها عدد غير منقطع من المؤتمرات والندوات، أهمية لتشوه هيكل العمالة المحلي، لا سيما التدني الكبير في نسبة المشاركة المحلية في سوق العمل؟
تكشف المقارنات والمؤشرات في هذا الشأن، أن الأردن يندرج ضمن قائمة الدول الأقل تشغيلا لقوى العمل المحلية، فعدد الذين ينضوون تحت الفئة العمرية من 16 عاما إلى ستين عاما، يبلغ ثلاثة ملايين نسمة، يعمل منهم مليون فقط، بينما تتعطل طاقات نحو مليوني فرد، بحيث تكون نسبة الذين يعملون من شريحة الشباب، أو القادرين على العمل فقط الثلث.
نسب المقارنة ليست في صالح بلادنا، فهي في سورية والمغرب 60 % لكل منهما، وهي في مصر 50 %، وتصل نسبة مشاركة ذات الفئة العمرية في دول شرق آسيا إلى 80 %، وبما لا يدعو للشك، أن هنالك ضعفا وهشاشة في تلك النسبة لدينا، وهو أمر يدعو إلى القلق وحتى الفزع، إذا ما استمرت السياسات الرسمية على المنوال ذاته، في ظل غياب أي استراتيجيات تحول دون رفع تلك النسبة إلى أعلى، والاستفادة من قوى بشرية معطلة.
ومن محفزات ضعف المشاركة المحلية في سوق العمل، تدني مشاركة المرأة، التي لا تتعدى 14 % من إجمالي سوق العمل، بينما تشكل المرأة نظريا وإحصائيا نصف المجتمع، لكن تشوه شكل الإعالة في الأردن، يرتكز على رب الأسرة في أغلب الأحيان، ويخبو دور المرأة في هذا الشأن، لصالح الاعتماد على دور الرجل، رغم أن المرأة عموما، حصلت على فرصها في التعليم والتدريب والتأهيل للدخول في سوق العمل، لكنها ألفت في نهاية الأمر كونها ربة بيت.
المتقاعدون، لا سيما في العقد الأخير من الفئة العمرية
(16 – 60)، يشكلون نسبة كبيرة آخذة في التزايد ، وعليه، فإن قوى بشرية أردنية، في منتصف عقدها السادس، وفي أوج عطائها، تتنحى جانبا، وتستكين إلى حالة التقاعد، مما يساعد في تشوه هيكل العمالة، ويقلص من فرص التوسع محليا، في اجتذاب تلك الفئة العمرية في حدودها العليا .
العقدة تكمن في الفترة ما بعد التوجيهي للشباب والبنات، فالجامعات تفتح أبوابها بشروط ميسرة جدا للدارسين، باستثناء الشرط المالي، فهو مكلف ومرتفع جدا ، وتخرج الجامعات أفواجا تصطف في جانب منها إلى صفوف البطالة.
ولدينا نسبة ليست موجودة في كثير من الدول، وهي أن
75 % ممن ينهون التوجيهي، يدخلون الجامعات، وهذا إفراط في التعليم الأكاديمي، على حساب ضآلة أعداد العاملين المحترفين، بسبب قلة عدد المتجهين إلى المهن والأعمال التي لا تحتاج إلى شهادات جامعية.
وإذا نظرنا إلى بريطانيا على سبيل المثال، فإن نسبة الذين يدخلون الجامعات بعد إنهاء سنوات الدراسة في المدارس، لا تتجاوز 15 %، بينما تتجه الأغلبية إلى الأعمال والمهن والصناعات وقطاع الخدمات وغيرها.
وفي موازاة كل النسب العجيبة آنفة الذكر، فإن الدولة بقطاعيها العام والخاص، مطالبة بالتفكير جديا، وفق نهج استراتيجي، لإعادة صياغة سوق العمل، وتأهيل العاملين وتقليص التكدس المتفاقم في شهادات الجامعات، وإعادة النظر في سياسة تدفق العمالة الوافدة، ودعم الصناعات المحلية.
وربما نحتاج إلى إحداث تغيير في أنماط التفكير المجتمعي، لا سيما تلك الأفكار المتعلقة باعتماد عائلة كبيرة على معيل واحد، وبخلاف ذلك، فإن واقع سوق العمل، قد ينتهي إلى أوضاع غير مقبولة، تهدد الأمن الاقتصادي في البلاد .
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي