نودع عاما ، ونستقبل آخر ، هذا ليس مهما لدى الكثيرين ، باستثناء من يعنيه عد الأيام ، يقول المثل السائر "الشهر اللي ما إلك فيه لا تعد أيامه". هذا ليس تشاؤما بقدر ما هو توصيف لحال قائم ، فأمة على هامش التاريخ ، لا يعنيها غير مطاردة رغيف الخبز ، أو سرقة هذا الرغيف من بيوت آخرين ، لا يعنيها أمر السنين والأيام ، مضت أو أقبلت،.
ونقلب الصفحة ، ما تعني الأيام لأمة حية؟.
يُحكى أن رجلاً كان يحاسب نفسه ، فحسب يوماً سني عمره ، فوجدها ستين سنة. فحسب أيامها ، فوجدها واحداً وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم. فصرخ صرخة ، وخرّ مغشياً عليه. فلما أفاق قال: يا ويلتاه ، أنا آتي ربي بواحد وعشرين ألفا وخمسمائة ذنب؟، يقول هذا لو كان يقترف ذنباً واحداً في كل يوم ، فكيف بذنوب كثيرة لا تحصى؟.
ثم قال: آه عليّ ، عمرت دنياي ، وخربت أخراي ، وعصيت مولاي ، ثم لا أشتهي النقلة من العمران إلى الخراب ، جاء في الحديث الشريف: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك،.
يقول حكيم التابعين الحسن البصري رحمه الله: (ما مرّ يوم على ابن آدم إلا قال له: ابن آدم ، إني يوم جديد ، وعلى عملك شهيد ، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك ، فقدّم ما شئت تجده بين يديك ، وأخّر ما شئت فلن يعود أبداُ إليك). وقال رحمه الله "يا ابن آدم إنما أنت أيام ، كلما ذهب يومّ ذهب بعضك" وقال: الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه وأما غداً فلعلّك لا تدركه وأما اليوم فلك فاعمل فيه،.
وقال أحد الحكماء: أمس أجل ، واليوم عمل ، وغداً أمل. فلا يلهينك الأمل عن العمل، وقال آخر: يا ابن آدم.. تُؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن ، وينقص عمرك وأنت لا تحزن وتطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (لولا ثلاث ما أحببت العيش يوماً واحداً: الظمأ لله بالهواجر ، والسجود لله في جوف الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون أطياب الكلام كما يُنتقى أطياب الثمر).
أخيرا ، نستذكر بعض ما كان عليه السلف الصالح ممن تركوا لنا إرثا هائلا من الكبرياء والكرامة والعنفوان والبلاد التي فتحوها وأدخلوها نور الإسلام ، بددناها كلها -أو كدنا - كان السلف الصالح يسمون الصلوات الخمس بميزان اليوم ، ويسمون الجمعة ميزان الاسبوع ، ويسمون رمضان ميزان العام ، ويسمون الحج ميزان العمر ، حرصا على أن يسلم لأحدهم يومه اولا ، فإذا مضى اليوم كان همه في سلامة الاسبوع ، ومن ثم في سلامة العام ، ثم في سلامة العمر ، وبهذه الأنفاس الطيبة نودع عامنا ، ونستقبل العام الجديد ، نسأل الله العفو والعافية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور