تدفعني تصريحات مراقب الشركات حول "الحرص على الرقابة المستمرة لأداء عمل الشركات" الى التساؤل عن ماهية تلك الرقابة وجدواها وحقيقتها، فثمة ملامح لهذا الاداء تؤكد ان مفهوم الرقابة شبه غائب، وان مؤسسات الرقابة مشتتة ومبعثرة ولا تعمل بربع طاقتها التي يمنحها اياها القانون، ولا ادل على ذلك من ان ديوان المحاسبة– على سبيل المثال- عمل لمدة عام كامل قبل بضع سنوات ليخرج بتقرير مفاده ان حجم الفساد الذي رصده لم يتجاوز المليون دينار، وفي ذلك تصغير لحجم الفساد الذي عبر لبعض شركاتنا وانماط الادارة لدينا واستوطن فيها.
بالعودة الى التصريحات، فثمة من يرى– وانا واحد من هؤلاء–، ان دور دائرة مراقب الشركات في وزارة الصناعة والتجارة يعد تنفيذيا ووظيفيا يتعلق بالتسجيل والاجراءات وضمان قانونيتها، ولكنه ليس دورا رقابيا تستطيع من خلاله كوادر الدائرة ان تلاحق اشكال الفساد المختلفة التي ينطوي عليها عمل بعض الشركات.
وان كانت الدائرة تتشدد حاليا في حال قيام اي شركة بما يخالف الغايات المسجلة من اجلها وتقوم بتحويلها الى النائب العام، فالأجدى ان يتم تحويل مئات بل آلاف الادارات في الشركات التي تستبيح اموال المساهمين، لا سيما ان مجالس الادارة تتصرف بالمال العام – الشركات المساهمة العامة – باعتباره ملكيات فردية، وسرعان ما تبدأ الشركة بالتحول من كونها مؤسسة تضم كثيرين الى "مزرعة" يسيطر عليها شخص واحد ومعه اولاده واصدقاؤه المقربون.
في بعض شركاتنا، تحكّم من قبل قلة قليلة في سعر سهم الشركة، ويترافق مع ذلك معلومات داخلية يجري تداولها لمصلحة افراد بعينهم، وثمة محافظ تؤسس وتلغى من دون ان يعلم باقي المساهمين ما الذي حدث، ويأتي كل ذلك بطبيعة الحال في ظل استنزاف اموال واراضي وعقارات الشركات لصالح رئيسها الذي لا يجد من يقول له "قف مكانك! ما الذي تفعله؟".
لن أتحدث عن الرواتب الخرافية التي تمنح لرئيس واعضاء مجلس الادارة وابنائهم ومياومات السفر، وعن الصفقات التي تتم بالباطن وعن قروض الشركة التي يتحول جزء منها لتسديد فواتير الشراء لابنة مدير الشركة في باريس، وعن الخسائر المليونية التي تمنى بها شركات كان لزاما عليها ان تحقق ارباحا، ولكن سوء الادارة وفسادها يجعلنا امام حالة رثة يتم التعامل من خلالها مع انماط الادارة الفاسدة باعتبارها قدرا سماويا وهي ليست كذلك.
يقول مراقب الشركات ان دائرته حولت سبع شركات منذ بداية العام الى النائب العام بسبب مخالفتها الغايات المسجلة من اجلها، والأجدى ان نرى ملاحقة حقيقية للفساد الذي يتراقص بوضوح شديد في عدد كبير من الشركات، ويعيث خرابا في اموال الناس، من دون ان يجد من يقول له: قف.
وحتى لا أنسى، فإن الدور الذي يقوم به مندوب مراقبة الشركات في اجتماعات الهيئات العامة للشركات صارم باتجاه تحديد قانونية الاجتماع من عدم قانونيته، وذلك من خلال تعداد نسبة وحصة المساهمين الحضور، ويجلس المندوب جنبا الى جنب مع رئيس مجلس الادارة الذي يتفوق في الاجتماع المزعوم على كل من حوله، فهو الذي يبدأه وهو الذي ينهيه، وتتحرك الامور وفقا لرغبته الشخصية فلا مندوبين ولا مساهمين، حتى اصبحت اجتماعات الهيئات العامة كالجاهات في بلادنا! أمرها محسوم سلفا ولكن الشكل ضروري!
الرقابة مضمون وليست شكلا، والأحرى بدوائر الرقابة في الدولة ان تكون فاعلة وتمارس دور الجراح الذي يستخدم ادوات الجراحة لاستئصال الأورام ولا يمسح على الاعضاء المريضة التي يمر عليها، واذا لم تستطع دوائر الرقابة القيام بدورها لسبب او لآخر، فعليها ان تصمت .. تصمت وحسب!

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب