تابعت ما نشرته صحفنا عن مباريات كأس العالم قبل أن تبدأ، ولفت انتباهي منها كيف فشلت صفقة نقل المباريات بين محطة الجزيرة والطرف الأردني الذي فاوضها، وإقحام "المكايدة السياسية" على الموضوع وتلبيسه أن ما طلبته المحطة ثمنا كان بمثابة "تطفيش" للطرف الأردني، وأنه "عزّ على الجزيرة أن ترى الدولة الأردنية توفر هذا الإنجاز الشعبي لمواطنيها" وكيف أصبح حق مشاهدتها "طبقيا لمن يقدر على الدفع فقط" ما دفعني للكتابة عنها وعن كأس العالم.
علينا أن نقر من البداية أن محطة "الجزيرة" قفزت مبكرا فوق حواجز وضوابط الإعلام العربي، إلى "صناعة الإعلام" التي تنبهت لها قبل كثيرين، لم يكن الأردن من بينهم، واستطاعت بقفزتها هذه أن تسجل أهدافا حقيقية هزّت شباك محطات فضائية متمرسة وعلى رأسها محطة CNN الأميركية وأخواتها وأبناء عمومتها، التي كانت تحتكر السماء والأرض لتبث في عقل العالم ما لذ لها وطاب، عندما نجحت بتحويل المواطن في كل مكان إلى مواطن عالمي تنقله وتنقل له الحدث وتشكل قناعاته كما تهوى.
أما مباريات كأس العالم، فهي الأخرى صناعة رياضية واقتصادية ومالية وسياسية وثقافية وإعلامية لا تقل أهمية وتأثيرا عن "صناعة الإعلام" التي تزاوجت معها وأصبحتا صناعتين تكملاّن بعضهما البعض، بدءا بتأريخ دورة ألعابها التي حاول فيها "أدولف هتلر" أن يوظف استضافته لها في ثلاثينيات القرن الماضي لعرض عظمة وجبروت ألمانيا، وانتهاء بدورتها الحالية في جنوب إفريقيا، مرورا بتنافس دول العالم على استضافتها.
مباريات كأس العالم، صناعة لها مؤسساتها ومجالس إدارتها وقواعد تحكم عملها ومئات الملايين من الدولارات التي تصب في شرايين صندوقها، الذي تتبرع منه لهذا وذاك من الدول، حتى غدا أشخاصها، يجوبون العالم مثل رؤسائها.
لقد تنبه الأردن منذ بواكير ستينيات القرن الماضي وقبل كثيرين في العالم العربي إلى دور الإعلام، وحاول التلفزيون الأردني برعيله الأول أن ينتقل بجهوده الخيرة وبموارده البسيطة إلى رحاب "صناعة الإعلام" وأسس لها شركة للإنتاج التلفزيوني ووظف لاستراتيجيته تلك مخرجين وممثلين وفنانين وموسيقيين أردنيين أطربوا المواطن بأغانيهم "حيهم كفوف الحمر والعقل ميالا، وين ع رام الله ..." وشدوه إلى قناته الأردنية بساعات بثها القليلة من السادسة مساء حتى الحادية عشرة قبل منتصف الليل، عندما خصص بثا باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والعبرية عندما كانت تلك المبادرات تلقى الرفض والإنكار من كثيرين من الأخوة العرب، وعندما كان المواطن الأردني يحاول ملاحقة الأحداث قبل تكنولوجيا التشفير، بتركيب أغطية علب الحليب القصديرية لالتقاط ما يريده من بث القنوات المجاورة.
لنركز على تطوير اقتصادنا بدلا من لوم "الجزيرة" واللطم على الخدود، ولنعمل على رفع دخل مواطنينا ليكونوا من الأغنياء القادرين على دفع ثمن مشاهدة مباريات كأس العالم بدلا من جلد الأغنياء ومهاجمة فكرهم "الطبقي"، ولنبارك "للجزيرة" نجاحاتها، ولنتمنى للفريق الجزائري الفوز ولندعم الشقيقة "قطر" في محاولتها استضافة دورة أولمبياد العام 2022، ولنعمل على جذب استثماراتها التي تبحث في العالم عن فرص، ولنتذكر موجة الشحن المنكرة التي فعلت منذ شهور ما فعلته بين الشقيقتين مصر والجزائر، وقبل كل شيء وبعده، لندعو إلى تطوير استراتيجية "صناعة إعلامية" أردنية تخدم أهداف ورسالة ومصالح الدولة الأردنية ومواطنيها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زيان زوانه   جريدة الغد