يقف المرء طويلا أمام رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى والي البصرة ابي موسى الأشعري، فوسط صخب الحروب وصليل السيوف وجد الفاروق متسعا لأخذ الناس باللين، وأعطى درسا في الإدارة قبل 14 قرنا نحتاجه اليوم، بسبب البون الشاسع بين من يجلس على كرسي الموقع العام وبين جمهور الناس حاليا.
تقول الرسالة "آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك" وينتهي إلى "إياك والضجر والقلق، والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق"، وتذهب إلى أبعد من ذلك في مسارات الإدارة والقضاء، حتى بات الأشعري بفضل قدراته ويقينه وبفضل أسلوب الحكم آنذاك من أفضل الولاة قربا الى الناس وحاجاتهم وأكثر الرجال قبولا على أرض البصرة.
ثمة من ما يزال يهتم بتلك الرسالة وغيرها من الرسائل التي تؤكد على احترام حقوق الآخرين في الحياة الكريمة، وفي أن تكون العلاقة بين المسؤول والشعب مبنية على الأخلاق قبل أي شيء.
وأذكر حوارات موسعة حول رسائل مشابهة، تحدث من خلالها رئيس هيئة الأوراق المالية الدكتور بسام الساكت قبل عشر سنوات تقريبا إلى مستثمرين وصحافيين وموظفين عن قيمة ما كان يؤمن به الخلفاء والولاة والعاملون، وكذلك المفكرون ومنهم ابن خلدون وغيره، وتركزت الحوارات وقتها على أهمية الأخلاق في تشكيل أسس رصينة لأنماط الإدارة المختلفة.
أذكر أيضا أنني سعيت مع مجموعة من الشباب الجامعي المتحمس لتنظيم ندوة عن الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي قبل نحو عشرين عاما في الشوبك وكان المتحدث الرئيس السياسي البارز سليمان عرار –رحمه الله– ومما أدهشني أن الفلاحين البسطاء الذين حضروا حلقوا بالندوة إلى فضاءات مختلفة، وراحوا يسألون ويشكون من شح المياه ورداءة الواقع الاقتصادي، فما كان من السياسي العريق إلا أن انخرط في همومهم، وبدأ يفتح آفاقا لهم بحثا عن حلول عملية بكل بساطة وتواضع، وهو الذي كان برلمانيا مرموقا ووزير داخلية مميزا، ومما أثار اهتمامي آنذاك براعة عرار وقدرته على الاشتباك مع هموم الناس، وتجاوزه للتنظير وحديث السياسي الذي حمله عنوان الندوة.
وأبعد من ذلك، تروي أجيال ذات صلة بتطور البلاد، أن متصرف معان في مطلع الستينيات من القرن الماضي الدكتور فواز أبو الغنم حل إشكالية استعصت على كثيرين لوقت طويل؛ تمثلت في محاولات بعض أهالي معان وبدو تلك المنطقة منع تعبيد أول شارع رئيسي في معان تبعا لحجج وخرافات لا أساس لها، فاستطاعت الإدارة الناجحة والجريئة للمتصرف وقتها فرض إرادة الدولة بإقناع الأهالي عن طريق الأمر الواقع، إذ أصبح السكان على شارع معبد في الصباح بعد جهد مضن طيلة ساعات الليل، وهو ذات السياسي الذي نجح بعد عقد ونصف العقد من موقعه كسفير في تحسين العلاقات الأردنية المصرية في عهد السادات.
من يقرأ مذكرات هزاع المجالي يكتشف قوة الجيل المؤسس من السياسيين؛ فالمرحوم المجالي كان حاصلا على ثقة القصر وفي اللحظة ذاتها يحتفظ بعلاقات وطيدة وحقيقية مع الناس فكان رجل الشارع في عمان والقدس والكرك والخليل، ومثل هزاع رجال أعمال كبار أسسوا للاقتصاد الوطني أمثال علي بدير وتوفيق القطان وصالح المعشر وعبدالمجيد شومان وسليمان سكر وإسحق القواسمي ورياض المفلح وغيرهم، ممن كانوا يملكون المعرفة ويملكون قبلها قلوب الناس عبر التواضع في التعامل مع الآخر.
التاريخ البعيد في حضارتنا العربية والإسلامية يذهب إلى التسامح والتفاعل مع الناس على نحو إيجابي وأن يكون المسؤول على سوية من التواضع والذكاء والدماثة في الخلق، ومثل ذلك كان الأجداد المؤسسون في التاريخ القريب، لكن ما يدعو للدهشة والاستغراب حقا أن شكلا جديدا من المسؤولين الاقتصاديين والسياسيين بدأ يظهر في السنوات الأخيرة، قوامه التعالي والتكبر والتحدث باستخفاف عن نخب مهن عديدة، فذاك وزير يسخر من المعلمين ويطالبهم بحلق ذقونهم، وآخر يصف الإعلام بالجهل، وثالث لا يعرف الأردن إلا من نافذة الطائرة!
ما أحوجنا إلى نخب تعرف الناس وتحترمها ويكون همها تخفيف أنين المهمشين لا تكديس الثروات بعد مغادرة المنصب.
حسن احمد الشوبكي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حسن احمد الشوبكي العلوم الاجتماعية الآداب