نشرت دائرة الإحصاءات العامة تقريرها عن الفقر في الأردن، الذي لم يخضع لكثير من التحليل، سواء كان استسلاما لجبروت الفقر أو مراعاة للحكومة، وقرأت في الفترة نفسها تقريرا عن الفقر في الهند، ما جعلني أقول "شر البلية ما يضحك".
في الأردن وعدد سكانه 6 ملايين نسمة، أصبح "الفقر" موضوعا رئيسيا في الحياة الأردنية؛ من مواطنين وسياسيين وأحزاب وحكومات ووزراء ودائرة إحصاءات ومراكز بحثية وجامعات وإعلام، وفرّخ "الفقر" تعابير وأعمالا وخبراء محليين وعالميين وممولين وندوات ومتخصصين في عقدها، وظهرت ثقافة أردنية محورها قرب المواطن من جيوب "الفقر" أو بعده عنها: من الزرقاء والكرك والمفرق ومعان أم من العاصمة؟ من شرقها وجنوبها بالطبع؟ وهل سبق وكان في بؤرة إحدى "جيوبه" أم تخرج منها؟ أم تخرج منها وعاد إليها ثانية؟.
وباتت لكل شريحة من شرائح المجتمع ثقافة تعتمد على موقعها من الفقر: شريحة تنتظر إحصاءات الفقر بفارغ الصبر حتى تتغنى بتراجعه، وشريحة أخرى ترجو الله تأجيل نشر تقاريره كي لا تجد نفسها تحت وابل النقد والنعوت كأصحاب سياسات "فقرية"، وحكومات تئن أمام مناعة الفقر ضد أي إجراء تقوم به حيث أصبحت لا تملك حيلة أمامه، وحكومات لا تملك أية حيلة أمامه من الأصل، ولذلك فهي غير معنية بمتابعة تقاريره.
وفي الهند وعدد سكانها 1.2 بليون نسمة، ما يزال 440 مليونا منهم فقراء، يقول أحدهم "لا داعي لبكائنا، فلن يسمعه أحد"، و400 مليون منهم لا تصلهم خدمة الكهرباء والماء الصالح للشرب، بينما ارتفع عدد مليونيرياتها خلال العام 2009 بنسبة 51 %، وانتقلت الهند من البلد المحتاجة للمواد الغذائية إلى بلد الفائض منها، حيث أصبحت تواجه ظاهرتين متناقضتين في الوقت نفسه؛ تعاظم الغنى وتعاظم الفقر.
ويحتار الاقتصاديون والسياسيون أمام هذا النمو الاقتصادي المبهر المصحوب بهذا الفقر المؤلم، وإعطاء تفسير له، حيث حقق الاقتصاد الهندي ومثيله الأردني معدلات نمو زادت على 8 %، ورغم ذلك ترتفع أعداد الفقراء. فما السبب؟
أحد الأسباب الرئيسية ببساطة، وحسب مبادئ الاقتصاد السياسي والتنموي، هو انطباق مبدأ خزان الماء الفارغ الذي تصب شرايين الاقتصاد فيه من الأسفل لإعادة تعبئته، بينما المواطن ينتظر امتلاءه ليغرف من سطحه عندما يمتلئ، لكن انتظاره في الأعلى يطول لأن هناك ثقوبا سفلية كثيرة في الخزان تمنع امتلاءه ووصول الماء إليه.
وقبل أن تنفجر شحنات غضب المواطن الفقير المنتظر، على الحكومتين الهندية والأردنية أن تغلقا الثقوب السفلى في الخزان الاقتصادي لوقف تسرب عوائد النمو لغير المستحقين، وإلا فسيبقى الفقر يطحن المواطن، رغم معدلات النمو المرتفعة لأن الثقوب السفلى تتزايد، ما يعطي دلالة واضحة لقول أحد القادة الحزبيين في إحدى الولايات الهندية الفقيرة "من الغباء أن ندّعي أننا قوة عالمية عظمى أو حتى قوة إقليمية عظمى بينما نعجز عن إطعام 37 % من مواطنينا"، ويصبح قوله هذا نموذجا لعجز الحكومات عن توفير الماء والكهرباء والغذاء لمواطنيها وإلقائها بالمسؤولية عليهم، بينما يتبادل وزراؤها الاتهامات فيما بينهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  زيان زوانه   جريدة الغد