بين الحين والآخر، أزور وبعض الأصدقاء وسط مدينة عمان، لنستمتع بذاكرة المكان ونشتمّ عبق أيام زمان ونتذاكر كل في ذكرياته في شوارع المدينة الحبيبة والمعالم الباقية وتلك التي زالت، وأصبح من تقاليد هذه العادة زيارة مكتبة أبوعلي ومحل الكنافة المجاور له وبعض محلات العصير وغيرها.
ومنذ فترة ونحن نقوم بهذه الزيارة نجد أعمال الحفريات تشق شوارعها، فتسلبنا متعة زيارتنا وتقلبها إلى هم وكدر، وتمنعنا من الوصول إلى غايتنا، وبدلا من تنشيط ذاكرة المكان وعبق الزمن وذكرياته، نجد أنفسنا حريصين على البحث عن ممر آمن خال من التراب والحجارة والحفر.
ويزداد المشهد قتامة، ونحن نرى تلك الشوارع وقد كادت أن تخلو من السائحين الذين تعودنا مشاهدة أعدادهم وهم يتسوقون في محلات البلد القديمة، ويستمتعون بزحمة المكان وطقوس السير فيه، وكشك أبوعلي؛ المكتبة القائمة على الرصيف مهجورة لصعوبة الوصول إليها. وتزداد الصورة بؤسا ونحن نرى ألواح الزينكو تحيط برصيف طويل تحجب مشهد المدرج الروماني.
وعند سؤال بعض أصحاب المحلات عن الوضع، أجابني بعضهم منفجرا، بينما أجابني البعض الآخر بهدوء وكأن ما أمامه قدر لا يملك معه شيئا، واستطرد ثالث يشرح كيف قطع هذا المشروع الإصلاحي رزقهم ونكّد عيشهم وهم يشعرون بأن لا جهة تريد أن تستمع لهم ولمعاناتهم.
قمت بزيارة ليلية للأماكن نفسها، متوقعا أن أرى خلية عمل وورشة إصلاح تعمل على مدار الساعة وتحت إضاءة الكشافات الضوئية الساطعة، ولشدة دهشتي وجدت شوارع ميّتة كئيبة محفرة، وما من يد تعمل فيها، ما جعل أحد أصحاب المحلات يجيبني "في النهار أبو عينتين ما بيشتغلوا، بدّك اياهم يشتغلوا في الليل، خليها على الله"، وأجابني آخر "سبق أن هدموا فندق فيلادلفيا التاريخي ولست أدري ماذا أقاموا مكانه؟"، بينما صرخ أحدهم "عاليوم يكون سرعة إنجازهم مثل سرعة قرارهم بالسماح بعلاج الفاسدين خارج البلاد".
وشعرت بالحيرة، فما هذه الوتيرة الزاحفة بالعمل؟ أليست للقائمين على المشروع نظرة اقتصادية وتشغيلية لهذه البقعة الواسعة من قلب عمان؟ وهل فكرّوا بمدى الضرر الذي يلحقونه بزحفهم وبطئهم على مصالح البلاد والعباد متسوقين ومارة ونشاطا اقتصاديا وإنسانيا؟ وما عذرهم يا ترى؟ وهل الإدارة الأردنية والمسؤول الأردني وصلا لهذا الحال؟ من دون إدراك أن للتأخير كلفا اقتصادية على الجميع؟ البطء قاتل لأي إنجاز مهما كان، ولنتذكر معاناتنا في مشاريع تطوير المصفاة الأردنية والديسي والقطار السريع والباص السريع ووسط جرش وجامع عجلون.
مشهد وسط عمان يحمل ألف رسالة ويجيب عن سبب زيادة الفجوة بين المواطن والحكومة، لكنني تساءلت وأنا أقود سيارتي راجعا محملا بالخيبة والحزن لمن أشكو، فلم أجد إلا الله أشكوهم إليه ومن بعده سيد البلاد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة زيان زوانه جريدة الغد