موسم الانتخابات الذي بدأ للتو، يرسم صورة غير جميلة للأردنيين، فثمة استعدادات للانفاق تشعر المراقب بأن الجوع يمزق امعاء الشعب، ولذلك لا بد من ضخ كميات كبيرة من الأطعمة والحلويات ليعوض ما فاته من نحول وهزل منذ موسم الانتخابات السابق قبل ثلاث سنوات.
الاستعدادات تنطوي على مبالغة من قبل مرشحي الانتخابات والنخب، المفترض أن تكون حريصة على حفظ كرامة الأردنيين وسمعتهم، فمن قال إن الشعب بأكمله يتوق لمنسف هنا وتشكيلة حلويات هناك، وما هذا العقد غير المحمود الذي يربط الناخب بالمرشح؟ وهل هو كذلك في سائر الدول التي تحترم الإنسان وتنتخب لأجله ولضمان مستقبله سياسيا واقتصاديا؟.
طلبات الاستيراد المقدمة إلى وزارة الزراعة، تكشف أن الدفعة الاولى من الجميد السوري بحجم 60 طنا، وقد تتبعها طلبات اخرى ليصل حجم الجميد المستورد لغاية تقديم آلاف المناسف في عمان وباقي المدن والقرى والمخيمات، ما حجمه 150 طنا، ويتبع ذلك ايضا شهية استيراد مفتوحة للأرز والسكر واللوز والصنوبر واللحوم التي قد تشهد ارتفاعا في اسعارها، بسبب الطلب المحموم خلال الشهر الحالي تمهيدا ليوم التاسع من الشهر المقبل، وما سيتبعه من نتائج واحتفالات.
مشهد ساخر بامتياز، فالمطاعم على أهبة الاستعداد وكذلك خدمات الخيم ومحلات الكهرباء والإضاءة.
وفي مقابل هذا كله لم يسمع الناخبون كلمة واحدة بعد عن حوارات وافكار لحلحلة الواقع الاقتصادي الصعب، الذي يعيشه المواطن الأردني منذ سنوات ومحاولة البحث عن اجابات لأسئلة الحياة الاقتصادية المقبلة.
ولا يقف الامر عند هذا الحد في الإساءة لصورة الأردنيين، فثمة من يبالغ في تسليع اصوات الناخبين، ويجاهر بأنه خصص نحو نصف مليون دينار لعملية الشراء تلك، والمفزع أن الناس يتداولون تلك المعلومات عن هذا المرشح -ومثله كثيرون في مختلف المحافظات الأردنية - على نحو اعتيادي ومن دون إدانة او مقاومة لهذا السلوك المجرم.
فمن ينوي الشراء يتجه الى رشوة "مفاتيح العائلات والمناطق" لتقوم هذه الأخيرة بشراء اصوات الناخبين على نحو مستتر، في ظل غياب عين الرقيب.
أصبت بالدهشة والقلق بعد استماعي لحديث الناس في جلسات عديدة في مناطق أردنية مختلفة، ومما يبرر هذا القلق ان الناس يتحدثون عن المرشح القوي -الذي يملك المال والنفوذ ويستطيع شراء الذمم من دون مساءلة- بشكل طبيعي وكأن قدرهم ان يتم استباحتهم في مواسم الانتخابات لإيصال احدهم الى البرلمان بأي شكل، ومهما كان الثمن غاليا حتى لو كان هذا الثمن تسليع الناس.
اذا كانت التقديرات تذهب الى ان مرشحي انتخابات مجلس النواب سيضخون 50 مليون دينار، فإن تلك الاموال ستذهب الى ملء البطون وشراء الذمم واشاعة العبث، ولن يكون من بينها انفاق على دراسات اقتصادية تسهم في فهم واقع الطبقة الوسطى في البلاد التي تلاشى حضورها او البحث عن حلول اقتصادية مقنعة من خلال حوار وطني واسع يكون للناخبين صوت فيه.
الأردنيون يستحقون افضل من الصورة الآنفة التي تسيء اليهم وتمتهن حقهم في الحياة الكريمة، فهم ليسوا جوعى، ولم يكونوا يوما مرتزقة تتسول في مواسم الانتخابات، وكرامتهم وحريتهم وسمعتهم ملامح دالة على الصدق والرجولة بعيدا عن التسليع، ولا يحق لأي كان ان يستغل تفشي الفقر في بعض البؤر لغاية شراء ضمائر الناس.
يستحق الشعب بأكمله نخبا تؤمن بالقيم السامية، وتعي حقيقة المرحلة ويحكمها هاجس قوي لتغيير الحالة الاقتصادية بشكل علمي وحضاري، وفقا لسياسات وتشريعات لا مناسف وحلويات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  حسن احمد الشوبكي