تتجلى صورة التخلف او التقهقر الاقتصادي في البلاد العربية من خلال جملة عوامل ضعف تسهم يوما بعد يوم في نخر الجسد المؤسسي وتشويه صورة العمل.
فحديث الحاكمية الرشيدة لا يعدو عنوانا فاقعا لغايات الاستهلاك الاعلامي سرعان ما يخبو قبيل اعلان البيان الختامي للمؤتمر الذي يحمل اسمه.
ما يحدث في المؤسسات الاقتصادية العربية – يشمل القطاعين العام والخاص- أقرب إلى الارتجال في ظل غياب القواعد التي تحكم المؤسسات، واذا سلطنا الضوء على درجة الرضا الوظيفي، يمكننا رصد حجم الهوة الشاسعة بين من يأبه لهذا العامل ويلتفت اليه كما هو حاصل في الدول المتقدمة وبين من يتجاهله جملة وتفصيلا، فيكون المنتج في نهاية اليوم ضعيفا هزيلا غير منافس، ويكون للاخر عابرا للقارات بعد ان توحدت فيه مصالح الاطراف كلها وكان الانسان هدفا حقيقيا لهذه التنمية المزعومة لدينا المنفذة على الارض لدى غيرنا.
من نافل القول ذكر الدراسات التي تكشف غياب اي مستوى للرضا الوظيفي في البلاد العربية، فالمؤسسات ليست معنية بتحقيق اي درجة من درجات الرضا للموظف والعامل، والاجر المالي دون المستوى كما هو معلوم، وتتفاجأ ادارات المصانع لدينا بانخفاض مستوى انتاجية العامل المحلي والعربي مقارنة بالصيني والباكستاني والاسيوي عموما، والجواب يمكن ايجاده في التدريب والتأهيل وتحسين شروط التعيين وربط الجهد بالكفاءة والمكافأة وتوسيع الحوافز، وغياب الشللية والمحسوبية وغيرها من الادوات التي تعزز من سلبية بيئة العمل، وتجعل مفهوم الولاء المؤسسي طارئا بل غريبا على بيئة العمل الحكومي والخاص في بلادنا.
في المقارنات الاقتصادية تجد غياب الرضا ماثلا وصارخا على عمق الهشاشة والخراب، فعشرة باحثين عرب لا يقدمون انتاجا بحثيا يوازي جهد باحث اجنبي واحد، ولو ذهبنا الى السبب المباشر لهذه النسبة المزعجة، فان عامل الرضا عن اسلوب الادارة وحاضنة العمل وغيرها من ملامح غياب المساواة وعدم التحفيز وسواها ستظهر امامنا، وبما يؤشر على غياب الرضا ما يجعل الانتاجية في ادنى مستوياتها، ويجعل البلاد العربية في ذيل دول الانتاج.
غياب الرضا ليس وحيدا في معادلة ضعف الانتاجية؛ فهنالك أسباب كثيرة ذات بعد جوهري في تلك النتيجة، ويمكن الاستدلال عليها من خلال معدل الانتاج الوطني الخام للفرد نسبة الى اجمالي الناتج المحلي لكل دولة.
ففي اسرائيل ارتفع هذا المعدل للفرد قبل اربع سنوات الى 21 الف دولار في العام، بينما جاء متدنيا في معظم الدول العربية، إذ بلغ أقل من الف دولار للفرد الواحد في السلطة الفلسطينية ونحو 2.5 الف دولار للاردني واعلى من 1000 دولار بقليل للمصري ونحو 1.1 الف دولار للعراقي و6.4 الف دولار للبناني وارتفع الى 14 الف دولار للسعودي بسبب وجود ثروة الانتاج النفطي.
وفي كل الارقام السابقة لم يقترب اي مواطن عربي من حجم انتاجية الاسرائيلي، وتؤكد الدراسات العلمية ان غياب الرضا كان سببا في ذلك.
لقد تجاوزت الدول والمؤسسات والشركات المتقدمة في اسيا واوروبا انماط الولاء التقليدية في سياق تجويد العمل، وحققت للعاملين والموظفين اعلى مستويات الرضا الوظيفي الممكنة التي تسهم في جعل الموظف والعامل اكثر كفاءة وانتاجية.
أما لدينا في العالم العربي فبقي الولاء مرتبطا ببعده الفردي والشخصي والعلاقاتي ايضا وانحسر الولاء في التبعية للحكومات، أما ما دون ذلك من علاقات وافكار واراء لا يعتبرها الاخر الموالي إلا خرقا للتقليد والعادة، تركز على البعد الشوفيني والقبلي ولا تؤسس لأي شيء مؤسسي.
من دون الرضا لن يتحقق التطور والتقدم الاقتصادي، ومع استمرار غيابه سنبقى كمن يطحن في الماء، والرضا كقيمة يندرج ضمن أعلى المراتب وأرقى درجات الوصول، ولذلك خاطب عز وجل الرسول الكريم في النص القراني "ولسوف يعطيك ربك فترضى". وارتبط العطاء وفق هذا السياق العظيم بالوصول الى درجة الرضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة حسن احمد الشوبكي