المأمول أن لا تمر الحكومة والبرلمان ومعهما مؤسسات المجتمع المدني مرور الكرام على الأرقام والبيانات التي تؤشر على هنات مجتمعية لأسباب اقتصادية، وقيمة الدراسات تكمن في إعادة توجيه السياسات نحو الحصافة والغايات التي من شأنها أن تؤسس لأوضاع اجتماعية واقتصادية إيجابية.

 

قبل بضع سنوات أنجز الباحث الدكتور إبراهيم سيف وبمساندة الباحثة ياسمين الطباع دراسة ثرية عن سوء توزيع الدخل في بلادنا وتركز المداخيل في أيدي قلة من المجتمع على حساب النسبة الأكبر التي تئن تحت وعثاء الفقر، فما الذي حدث بعد نشر تلك الدراسة التي كشفت انهيار الطبقة الوسطى بشكل تراكمي تبعا لمفاعيل اقتصادية؟ أعتقد أن لا شيء تحقق على المستوى الرسمي بل تفاجأت في إحدى المؤتمرات عندما كنت أتحدث عن تلك الدراسة مع مجموعة من رجال الأعمال والمسؤولين العام الماضي، بأن بعض المسؤولين لم يسمع بالدراسة إلا عندما ذكرتها أمامه، وتفاجأ بمضمونها وأعرب عن قلقه حيال مستقبل البلاد، ولعل المشكلة أكبر وأوسع فكثيرون لا يقرأون، وإن قرأوا لا ينفذون ما اقتنعوا به معرفيا.

 

بالعودة إلى الهنات المجتمعية، فالدراسة التحليلية التي أجرتها جمعية العفاف تستدعي التوقف والتأمل، وتتطلب أيضا إعادة إنتاج سياسات ذات علاقة بتحسين شروط الإنسان بعدما ضاقت به الظروف الاقتصادية.

 

ثمة مخاوف انطوت عليها أرقام الدراسة وتكشف أن معدل الزيادة الطبيعية للسكان في البلاد تراجع من 4 % قبل ثلاثين عاما إلى 2.1 % العام الماضي، وسـط توقــعات بتراجعه إلى 1.8 % بعد عشر سنوات ما يعني تناقص سكان الأردن 125 ألف نسمة في عام 2020 ونحو ربع مليون نسمة في عام 2030.

 

الزاوية التي استدلت منها الدراسة على تلك البيانات والمؤشرات الخطيرة تعود إلى تصاعد مشكلة العنوسة وتراجع معدلات الإنجاب، ولا غرو في ذلك فعتبة الزواج بالنسبة للذكور والإناث آخذة في التزايد ولا يقف عندها عمر محدد، وهنالك عنوسة حادة في المجتمع تفوق ما هو حاصل في مجتمعات متقدمة، ولعل وجود 100 ألف امرأة لم يسبق لهن الزواج وبلغت أعمارهن 30 عاما فأكثر، إشارة واضحة على تفاقم المشكلة، إذ أن هذا الرقم تضاعف نحو 15 مرة في ثلاثين عاما، ويسهم في تفشي تلك الحالة الصعبة مجتمعيا واقتصاديا اتساع دائرة الطلاق لا سيما قبل الدخول التي فاقت ثلث عقود الزواج التي أبرمت العام الماضي.

 

المطلوب أن يتم رسم السياسات الحكومية وصوغ التشريعات وفقا للمشاكل والتحديات التي يواجهها المجتمع، وبما أن مشكلة العنوسة تتفاقم، إضافة إلى انخفاض معدلات الإنجاب، ما يؤثر على معدل الزيادة الطبيعية للسكان، فإن السياسات المقبلة يجب أن تفعل شيئا حيال ذلك، وأن لا يقف المجتمع صامتا حيال انهيار طبقته الوسطى وتفشي العنوسة وتراجع معدل الزيادة السكانية وانخفاض معدلات الإنجاب وكل المؤشرات التي تتأثر سلبا من رداءة الأوضاع الاقتصادية.

 

في التحليل الاقتصادي لمواجهة تلك المشاكل، يمكن القول أن الإبقاء على معدل إعالة مرتفع في الأسرة الأردنية سيثقل من كاهل الذكور، وسيزيد من تعقيد حياة الإناث وتبعيتها الاقتصادية، وينسجم مع ما سبق تسهيل شروط الزواج وتخفيض نفقاتها على الشباب، وأن لا يتم حمل كامل العبء على عاتق العريس منفردا من خلال مشاركة عروسه بكل ما تستطيع من قدرات مادية حتى نتجاوز اللحظة الراهنة، ويجب أن يتم ذلك في ظل ظروف مجتمعية طبيعية لا خداع فيها أو مظاهر على حساب نجاح مؤسسة الزوجية وديمومتها وتحقيق الاستقرار النفسي والعاطفي والاقتصادي لعشرات الألوف من الفتيات.

 

الدراسات والتحليلات الاقتصادية ليست ترفا أو حبرا على ورق، إنها بوصلة للعمل والتغيير الاجتماعي والاقتصادي لمن أراد أن يعمل ويحسن من شروط حياة الناس.

 

 حسن أحمد الشوبكي. 


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   الآداب   العلوم الاجتماعية