قادتنا المسافات والجغرافيا الى الجنوب الموريتاني، وفي قرية التيسير النائية على امتداد الطريق الذي يربط نواكشوط وروسو ثمة تجربة علمية تستحق التأمل والدراسة.
فثلاثمائة من السكان ومثلهم من طلاب العلم يعيشون معا حياة بسيطة، لكنها صاخبة بالعلم والمعرفة، فالكل يقرأ ويتعلم، فلا تعجب ان فتى في الخامسة يحفظ جزءا من القرآن الكريم، او أن طفلة في السابعة تحاجج في فقه الامام مالك، فيما آخرون يلحقون بآبائهم وأمهاتهم كالظل في طريق طويل وهم يقرأون سورا من المصحف الكريم.
بمجرد ان تطل عينك على القرية المتواضعة في بيوتها وتفاصيل الحياة حتى تيمم نحو بحر من المعرفة وحلقات العلم، فهولاء النسوة ينشدن شعرا، واولئك الشباب ينخرطون في حلقات العلوم الشرعية والفقهية، وذاك يشدد على الطلاب في سياق شرح وفهم المصحف الكريم، انها المحاظر التي لمع نجمها في القرنين الماضيين لكنه خبى في العقود الاخيرة، الا موريتانيا ما تزال تضم بعضا من تلك المحاظر التي يقوم على رعايتها علماء كبار.
شرف كبير ان يكون المرء في حضرة علامة جليل من وزن الشيخ محمد الحسن بن احمد الخديم، وبتواضع العلماء التقيناه على باب المسجد بعد ان صلى الظهر اماما بطلابه وسكان القرية، وألقى التحية ومضى.
لم ار في حياتي انسانا زاهدا مثله، فلا يعنيه بريق الاعلام في شيء ولا خيلاء السلطة وهو الذي رفض في عهد ولد الطايع جائزة شنقيط للعلوم وهي اعلى جائزة علمية على مستوى البلاد وفيها من التقدير المعنوي والمادي (20 ألف دولار) ويحلم بها كل العلماء والاكاديميين الموريتانيين، لكنه رفضها لسبب وجيه برأيه وهو ان لا وقت لديه لاضاعته في استلام الجوائز فكل وقته للعبادة والتدريس والتأليف، لا يحضر ندوات ولا يأبه للاعلام ولا يرتبط بالحكومات لا من قريب او بعيد.
حضرنا بعضا من دروس الفقه التي يتحاور بشأنها العلامة الشيخ مع طلبته ومنهم الاجانب القادمون من انحاء متفرقة من القرن الافريقي وهنالك طلبة اسيويون وعرب، ومن يستطيع من الطلبة ان ينفق على اقامته في القرية التي تمتد تفوق العقد احيانا فبها ونعمت ومن لا يقوى فإن العلامة ابن الخديم يمنحه بيتا وينفق عليه، وللشيخ مؤلفات ومراجع رئيسة في الفقه والعلوم الشرعية ومن دخلها ينفق على العلم في محظرة التيسير.
هذه صورة للطلاب المحظريين الذين يفوقون طلابا كثيرين علما ومعرفة بسبب تحقق ارادة التعليم ووفرة المعرفة على ايدي علماء كبار وتسمى تلك المحاظر بجامعات الصحراء، وهي بحق تفوق جامعات المدن التي لا ينساق شكلها الى المضمون.
في طريق العودة عرجنا على جامعة نواكشوط وهي التي مضى على تأسيسها اكثر من ربع قرن، غير ان حالها لا يسر عدوا ولا صديقا، فالمدرج الواحد يضم 2000 طالب والاستاذ يتحدث امام مكبر صوت – رديء فنيا – ولا يكاد يسمعه احد، ولهذا العدد الكبير من الطلبة في التخصص الواحد لا يتوفر الا عشرون كتابا فقط.
يقول بعض الطلبة في الجامعة: ان المستوى التعليمي رث، وان نسبة كبيرة من الطلبة يتخرجون في الجامعة وهم في أضعف حال وغير مؤهلين لسوق العمل التي ترفضهم، فيتحول كثير منهم الى العمل في الشارع.
يرتبط الاقتصاد في البلاد العربية بمستوى التعليم، ولقد مل الجميع من عبارة "ان مخرجات التعليم لا تناسب سوق العمل"، فالتعليم والتأهيل الجيدين يقويان سوق العمل ويضخان اليه كفاءات وقوى بشرية ايجابية لا سلبية، ولا أطالب هنا بالعودة الى جامعات الصحراء بشكلها الحالي في موريتانيا، ولكن قوة العلم هناك ورسوخه يجعلان المرء يتساءل عن سبب الضعف العلمي الذي يحيط بمؤسسات التعليم في العالم العربي.
نحتاج الى تكرار نموذج العلامة ابن الخديم وان كان ذلك امرا صعبا، ونحتاج ايضا الى تعميم نماذج طلبته المتفقهين في بحر المعرفة.
ولا افشي سرا او مبالغة عندما اقول بأنني اعددت نفسي اعدادا ذاتيا صعبا على امتداد الدقائق التي جمعتني في حوار مع احدى القامات المعرفية العالية في تلك القرية .. هذه القامة لفتى في سن الخامسة عشرة !

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  حسن احمد الشوبكي