نشعر أن الحكومة تمشي على حبل مشدود ، فمن جهة تعاني البلاد من ضيق اقتصادي شديد ، ألقى بظلاله على كثير من مناحي الحياة ، ومن جهة أخرى ، نشعر أنها بصدد اتخاذ قرارات مؤلمة جدا ، ولكن يمنعها وضع الفئات الأقل حظا والأسوأ وضعا من ناحية معيشية من المضي قدما في تصحيح كثير من التشوهات الاقتصادية والاجتماعية.
منذ سنوات أطلق مفهوم جديد على المجتمع وهو انتهاء عهد العلاقة الريعية بين الدولة والمواطن ، وقد تمت ترجمة هذا الشعار على غير صعيد ، لكن مسألة التطبيق الصارم لهذا المفهوم جوبهت بثوابت مجتمعية درج عليها الناس لعقود طويلة ، ويبدو أن أي إجراء حكومي بهذا الاتجاه يلزمه القيام بحملات مكثفة للتوعية الاجتماعية تقوم بها جهات غير حكومية لها مصداقية وتأثير في المجتمع ، وفي الأثناء على الحكومة أن تحذر كثيرا من اتخاذ أي إجراءات غير متسقة مع مشاعرها التي تبديها للفئات الأكثر فقرا ومعاناة ، فمثلا قرأنا بالأمس أن مجلس الوزراء قرر بناء على تنسيب وزير المالية ، الموافقة على اعفاء الشركات القائمة في المناطق الصناعية المؤهلة ، سواء كانت من السوق المحلي أو المناطق الحرة ، من الضريبة العامة على المبيعات ولمدة خمس سنوات ، وذلك استنادا لأحكام المادة ( 22 ـ ج) من قانون الضريبة العامة على المبيعات رقم (6) لسنة ، وفي الوقت نفسه ، قرأنا قبل فترة خبرا آخر يقول أن الحكومة في صدد إعادة فرض هذه الضريبة على عدد من السلع الأساسية التي يتناولها الغالبية الساحقة من المواطنين ، ووفق وزير الصناعة والتجارة ، المهندس عامر الحديدي ، فإن الحكومة أعدت موازنتها للعام الحالي على أساس إلغاء إعفاء 13 سلعة أساسية من ضريبة المبيعات ، علما بأن مجلس الوزراء قرر في 2 ـ 1 ـ 2008 إعفاء 13 سلعة غذائية من دفع الضريبة العامة على المبيعات وهي الحليب ، والأجبان ، والحمص ، والسكر ، وزيت النخيل ، والعدس ، ودقيق الذرة ، والأرز ، والذرة الصفراء ، والشعيرية ، والحنطة ، والشاي ، والبن: سعيا لكسر حدة ارتفاع أسعار هذه السلع ، وللتخفيف من الأعباء الاقتصادية على المواطنين ، وبمقارنة سريعة جدا ، كيف نفهم إعفاء "الأغراب" الذين يستثمرون في المناطق "المؤهلة" من الضريبة وأعادة فرضها على "الأحباب" من مواطنينا؟.
المسألة تحتاج إلى وقفة "ضمير" من الحكومة ، كي تتسق إجراءاتها وقراراتها مع الهدف من إلغاء العلاقة الريعية مع المواطنين ، وعدم إقامتها مع "غيرهم" أو على الأقل مساواة المواطنين مع المستثمرين الأغراب ، الذين يوظفون عددا قليلا بل هزيلا من المواطنين ، ويعتمدون في عمالتهم على الأيدي العاملة الأجنبية،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور