يحلم ببضعة دنانير فقط كي يعيش وأسرته الصغيرة ، يخرج الساعة السابعة صباحا ، يتوكل على الله ويدير مفتاح سيارة التاكسي ، ويمضي باحثا عن ركاب ينقلهم ، هدف كبير أمام عينيه: سبعة عشر دينارا يجب أن تتوفر أولا ، ثم ما بين خمسة إلى عشرة دنانير ، الأولى ضمان السيارة ، والثانية ثمن البنزين ، ثم يبدأ "عدّاد الرزق" الخاص به كي يعود به إلى أم العيال والعيال،.
وعدّاد الرزق هذا يتراوح بين صفر وعشرة دنانير ، هذا حينما تكون الغلة فوقَ الريح ، وبين هذا وذاك ، إذا مرض "المسخم" جاع ، وإذا احتاج أحد أفراد الأسرة إلى مصروف إضافي أو مسألة ليست بالحسبان انهدت الميزانية ، انتظرَ التخفيض الأخير لأسعار البنزين بفارغ الصبر ، وحينما أعلن أنه مجرد قرش في اللتر ، أصيب الزلمة بما يشبه الهستيريا ، وأخذ يغني بصوت جريح مبحوح: قرش في اللتر ، لم أستطع أن أقول له شيئا ، فقد ألجمتني معادلته ، فيثاغورس بعظمته وقدرته ليس بوسعه حلها ، خاصة وأنه يعيش يوما بيوم ، والرجل جاوز الستين بقليل ، و"حيله" لا يسمح له بالعمل أكثر،.
هذه قصة واحدْ من الناس ، تمنعه كبرياؤه وكرامته من التوجه إلى صندوق المعونة رافعا يديه ، مستسلما طالبا للصدقة ، وهو ليس متأكدا من حصوله عليها ، يقول:إنه سيبقى يجاهد ويلاحق رغيف الخبز حتى "يطفي" وبعدها ليحصل ما يحصل ، والأولاد والمرة إلهم الله،.
تحتار في اختيار كلمات المواساة والمداواة ، فماذا تقول أمام هذه اللوحة الإنسانية الدامية؟ تخجل من نفسك وأنت كنت بالأمس تخطط للذهاب إلى العقبة ترويحا عن النفس ، فيما تسعى نفوس للبقاء على قيد الحياة فحسب ، تحمد الله ، وتقول للحاج الشوفير ، توكل على الله ، من يوم ليوم فرج ، فيقول لك ، الحمد لله على كل حال ، ولكن أيامنا كلها انتظار ، والفرج عملة نادرة ، فما من أفق ، قل لي ماذا سيحصل غدا؟ هل ستنشق السماء عن كنز ، أم هل أرث مالا من ابن عمي الذي مات في البرازيل؟ وأنا ليس لدي أبناء عم ولا خال ، بل ليس لي عم ولا خال أصلا،.
الحاج الشوفير ، الذي قطع الستين ، جرحني ، وحيرني ، ماذا أقول له ، ولآلاف مثله ، يعيشون يومهم بكفاف العيش ، تحسبهم أغنياء من التعفف ، ينتظرون بفارغ الصبر قرارات لجنة التسعير الشهرية..؟.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور