أقرب إلى العقل والمنطق أن تلتفت خزينة الدولة إلى عائلات ثكلى على أطراف الوطن، لم ير اطفالها قطعة دجاج منذ سنوات بدل ان تتسلل اموالنا لاسترضاء هذا المسؤول او ذاك، فهذا يحظى بسيارة من آخر طراز وبمبلغ يفوق 140 الف دينار وآخر "يحظى" بسكن كلفته 4 ملايين دينار، وغيرهم كثيرون ينعمون برغيد العيش في العاصمة وتلالها الجميلة، بينما يتزايد نكده خارجها حيث التهميش والفقر والعوز.
ليس مفيدا ان يستمر وزير المالية وهو يناقش مشروع الموازنة باعادة تذكيرنا بأن معدل النمو الاقتصادي سيبلغ 3 % او 5 % او اي نسبة اخرى، عليه ان يقول لنا اين ستتجه موارد التنمية؟ ولجيوب من؟ واين حصة الاردنيين منها خارج اسوار العاصمة؟، وصحيح ان نسبة دافعي الضريبة تتركز في عمان بمعدل 90 % ولكن ذلك لا يعني ان تصبح عمان هي الاردن والعكس صحيح، فاذا تركزت خدمات البنية التحتية والاستثمار والتعليم والصحة في العاصمة، فالى اين سنصل بمدننا وقرانا واريافنا وبوادينا خارج المركز؟!.
يناقش وزير المالية موازنته تحت قبة البرلمان فيما العقبة تضج بنحو أربعة اعتصامات منذ مدة ليست بالقليلة وعشرات العمال يقفون منذ يومين بباب الشركة الاردنية الهندية للاسمدة في الشيدية، بعد قيام ادارتهم في عمان بفصلهم عن العمل، ويتساوق مع المشهد ذاته وفي الجنوب ايضا احوال ومطالب موظفي سكة الحديد ومعاناة سائقي الشاحنات في القطرانة الذين اعتصموا قبل ايام، ونبض الشارع الذي لم يهدأ بعد في ذيبان وتقابله اعتصامات متضرري قضايا مكاتب البورصات العالمية في الشمال، وباختصار فان الجغرافيا الاردنية خارج العاصمة تموج فوق انين ومعاناة لم تحسن مؤسسات الدولة وحتى القطاع الخاص الاستماع اليه، وعنوانه الابرز فقر الحال وتفشي البطالة بسبب غياب السياسات بل وفشلها ان طبقت.
نعم فشلها، فثمة قصر نظر في توجيه المساعدات والاموال المتوفرة للدولة نحو قطاعات التنمية المحلية والفقر، ولما اخفق برنامج بحجم بليون دولار، والذي اطلق عليه اسم التحول الاجتماعي والاقتصادي قبل سنوات في الوصول الى الفقراء، نجح البرنامج ذاته في الوصول الى جيوب مسؤولين اثروا من ورائه ولم يحاسبهم على هذا الفشل المتواصل والفساد اي جهة في الدولة، وحتى لا نبقى اسرى للماضي، فاليوم نواجه سوء تخطيط في وزارة التخطيط مرده تخصيص 2 % فقط من المساعدات الخارجية للتنمية المحلية ومكافحة الفقر، وكأن المخططين – ان وجدوا – لا يأبهون لصوت الانين القادم من جنوب البلاد وشمالها وكذلك شرقها وغربها، وهل يكفي تخصيص مبلغ 22 مليون دينار لجيوب الفقر فقط، بينما تنفق ادارة واحدة في الدولة من المزايا والاعطيات لقياداتها العليا ما يفوق هذا المبلغ؟!
مسار الاصلاح واضح وحتى تكون الدولة برمتها تعمل ضمن ورشة اصلاح توصل الجميع الى نتائج مرضية، فيجب ان يأخذ الاصلاح الاقتصادي شكلا ومضمونا جديدين وتحت عنوان وقف الهدر والانفاق الفاسد وتحويل جزء كبير من موارد التنمية الى المحافظات، وتحسين الخدمات الصحية خارج عمان والانتقال بمستوى التعليم في تلك المحافظات الى آخر جديد، فطلاب محافظاتنا ليسوا اقل شأنا من اشقائهم في عمان، وكانوا في السابق يحتلون مراكز كثيرة ضمن قائمة العشرة الاوائل في الثانوية، فما الذي حدث لهم اليوم وما سبب انهيار مستوى التعليم خارج العاصمة؟!.
اي اصلاح واي خطط لا تلامس معاناة الاردنيين خارج عمان ستزيد من تعقيد المشهد، وعلى القطاع الخاص مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الحكومة في هذا التحدي، وليس معقولا ان يرتحل جل الاردنيين الى عاصمتهم في نهاية المطاف، وتبقى مدننا وقرانا اطلالا نقف على مشارفها في سهرات الصيف.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة حسن احمد الشوبكي