منذ نحو عقدين من الزمان أحضر وأشارك في مؤتمرات متخصصة وعامة ، وفي كل مرة أسمع لآراء عبقرية وعلى جانب كبير من الأهمية ، وكثير منها يحمل حلولا لمشكلات مستعصية ، لكن شيئا جديا لم يحصل ، لا على المستوى المتخصص أو العام ، كلام في كلام يفتح شهوة المتكلمين ، وتتلاقح أفكارهم ، ويخلصون إلى توصيات وقرارات ، لكن على الأغلب الأعم ينتهي كل شيء بمجرد انفضاض الجمع ، لأن غالبية المؤتمرات العربية لا تضع آليات لتطبيق مقرراتها ، أو أن البيئة الحاضنة لا تساعد على التعامل بجدية مع أي شيء جدي،.
أشارك اليوم في المؤتمر الوطني الأول للاعلام وأستمع بانتباه شديد لكل ما يُقال ، وأحاول استذكار تشخيصات سابقة لواقعنا الإعلامي ، فأجد أن كثيرا مما قيل سمعته هنا أو هناك ، على مدار سنوات خلت ، يعني نمتلك قدرات خارقة على التشخيص ، وربما وضع الحلول والوصفات للمشكلات القائمة ، لكنني أشعر أن ثمة غيابا شبه تام للحلول الجذرية ، وأشعر أيضا أن حلولنا التي ترى النور لا تعدو كونها عمليات تجميل أو "ميك أب" لتشوهات تحتاج إلى إعادة بناء تام ، مثلا مشكلا التشريعات الإعلامية والقوانين المتعلقة بحرية التعبير ، نعدل قانون المطبوعات والنشر لمنع توقيف الصحفي ، ونترك أكثر من عشرين قانونا على حالها ، وكلها تنص صراحة ليس على توقيف الصحفي ، بل كتم صوته وإخراسه للأبد ، هذا ناهيك عن النصوص غير المكتوبة التي تظلل الصحفي بكوابيس وأشباح ، تجعل منه شخصية أقرب إلى البهلوان ، المضطر للمشي على حبل مشدود ، وتأدية حركات مضحكة تُبعد عنه شر السقوط في المحذور والمحظور وما أكثره،.
قدرنا نحن الصحفيين العرب أن نبقى نجهد في التعبير وإبداء الرأي والبحث عن الحقيقة ، والبحث عن مساحات متاحة للحركة ، تضيق يوما بعد يوم ، حتى بتنا أحيانا نزحف على بطوننا ، لكننا قطعا لن نتوقف عن الحركة ، والتحرش بالقيود والخطوط التي لم تعد حمراء ، بل حارقة ولاسعة ، وقدرنا أن لا نستسلم أبدا ، وأن نعقد المؤتمرات ، حتى ولو كان الإنجاز واحدا في المئة أو أقل،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور