تخيل لو أن راتبك كان ثلاثة آلاف ومائتي من الدنانير ، ثم يصبح فجأة سبعة وخمسين دينارا ، أو أن يكون الراتب ثلاثة آلاف ومئة دينار ثم يصبح تسعة عشر دينارا فقط لا غير،.

لا تستغرب ، هذا ليس افتراضا ميتافيزيقيا ، بل هو واقع حصل مع اثنين من المهندسين ، كانا موظفين في مؤسسة حكومية جدا ، لكنهما أحيلا على الاستيداع دون رغبة منهما ، بل بسبب حرصهما على أداء عملهما بإخلاص ونزاهة،.

قد يبدو الكلام عن قصة خيالية ، أو ادعاء غير واقعي ، لكنك حينما تطالع ما بحوزتهما من وثائق رسمية (جدا جدا) تعرف أن هناك خطأ فاحشا ارتُكب بحق هذين الشخصين ، الأدهى والأمر أن صاحب الراتب البالغ ثلاثة آلاف ومائتي دينار ، يعيش الآن حالة برزخية في حياته الوظيفية ، فقد أحيل أولا على التقاعد في محاولة للتخلص منه ، ثم تبين أنه لم يستوف مدة التقاعد كاملة ، ثم أحيل إلى الاستيداع في نفس الوقت دون أن يتم إلغاء تقاعده ، وكي نفهم أكثر ، تعالوا بنا نقرأ ما سطره المهندس شرحبيل عودة (هاتف 07954204239 ) في كتاب رسمي: أرجو التكرم بالعلم بأنني أحلت على التقاعد من 1 ـ 10 ـ 2009 وبعد مراجعتي لمديرية التقاعد المدني تبين بأن مدة خدمتي غير خاضعة للتقاعد ، وعليه وحسب القانون فإنني ما زلت موظفا ، ولغاية هذا التاريخ ، وهو ستة أشهر من تاريخ إحالتي على التقاعد ، لم أتقاض أي رواتب من التقاعد ، ولا من مكان عملي ، وبالتالي فإنني بالنسبة لكم لست موظفا وبالنسبة لمديرة التقاعد لست متقاعدا ، وبالطبع ليس مستودعا ، لأنه لم يبلغ رسميا ، وإن عرف أن راتبه أصبح فقط سبعة وخمسين دينارا،.

طبعا شرحبيل لم يتلق ردا على رسالته ، فأتبعها بأخرى ، بتاريخ 8 ـ 4 ـ 2010 طالبا أن يتم تصنيفه (متقاعد ، استيداع ، موظف،) ولكنه لم يتلق ردا أيضا ، وآخر كتاب بعث به يوم 18 ـ 4 ـ 2010 أوضح فيه بأنه راجع دائرته عدة مرات ليعرف وضعه ، علما بأنه علم بطرقه الخاصة أن قرارا من مجلس الوزراء صدر بحقه منذ فترة طويلة لكنه مخبأ في درج أحد المدراء،.

شرحبيل يعيش الآن حياة حائرة ، بلا تأمين صحي ولا راتب ، مع أنه مصاب بعدة أمراض ويحتاج لدواء بمائتي دينار شهريا،.

القصة ليست قصة شرحبيل ، ولا زميله أمين عبد الحميد المعايطة ، بل في هذ النظم التي تحكم مكان عملهما ، ويتيح لمسؤوليهما البطش بهما على هذا النحو المستغرب ، والقصة طويلة جدا ، ولدينا تفاصيلها لمن يريد أن يقرأ ويستمتع،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور