أكتب لك أيها البحر ، وأنت الصامت الأكبر ، رغم ما يصطرع في أعماقك من حراك وحياة وغضب ، كأنني أتماهى معك ، فأتوحد فيك ، أكتب لك ، مستحضرا تلك الرحابة اللامتناهية التي تتمدد فيها ، هربا من ضيق الصدر ، واختناق المدى ، بعد أن انزوت المشاعر الجياشة في حرف مثقل بالضغينة والكراهية ، تغمض عينيك عنه هنا ، كي تراه يطل عليك من هناك ، وأنت تقيم في مكان أو اللامكان ، ليس هنا وليس هناك بالتأكيد،

أكتب إليك يا صديقي ، مستذكرا المرة الأولى التي رأيتك فيها ، تضرب بموجك الضجر شواطىء "سيدنا علي" قرب يافا تنتظر الفاتحين الأشاوس ، انتظار غودو للاشيء،

اكتب لك ، وانا أكاد أشعر بالاختناق ، مُنكتبا وليس كاتبا ، بل مصلوبا على أعتاب الكلمات الخرساء التي تموت على الشفاه ، كي لا أتهم بما ليس في ، "مدعيا" حبا لم يعد مطلوبا الاعتراف به أعني الحب طبعا ، بل ربما غدت مداراة هذا الحب ضربا من الوطنية والانتماء ، وربما أصبح من الشهامة أن تتنكر له ، وتخلعه من تلافيف مخك وجدران قلبك ، كي تصبح بشرا سويا،

يا بحر،

لمن أشكو إن لم ابثك همي وغمي؟ وأنت حافظ الأسرار وكاتمها ، في زمن لا يحتمل البوح؟

يا بحر،

أستميحك عذرا ، فالحب ليس خيارا ، بل قدرا يهبط علينا ، فيسكن تلافيفنا ، لأننا رضعنا منذ أكلنا أول حبة فلافل أن بلاد العرب أوطاني ، وأن الاتكاء على ـ والانتماء إلى مليار ونصف المليار مسلم ، كأهل وعشيرة ، هو خيارنا الوحيد.

يا بحر ، ندرك أن الأمة ، كما الأفراد ، يمكن أن تعيش أرذل العمر ، ولكنها على خلاف الأفراد ، تنهض فجأة ، ونستفيق ، كي تنفض خبثها الذاتي ، وتستعيد ألقها ، لأنها تحمل في أحشائها كلمات الله عز وجل التي تظل تبرق فيآ آفاقها: كنتم خير أمة ، وتردفها كلمات سيد الخلق ، وخاتم المرسلين: الخير في وفي أمتي..،

يا بحر ، كم نحبك ، بكل ما فيك من هدوء وصخب ، كما أحبابنا ، الذين لا نخلعهم ولا يخلعوننا ، مهما أصابنا أو أصابهم من نزق ، لأن ثمة دما واحدا يجري في عروقنا ، ويحمل الأوجاع والأحزان والأفراح ذاتها،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور