كما غابت الهوية السياسية عن الفضاء العربي غابت وجهة المال الذكية، وظلت الحالة تراوح بين اقتصادات ريعية وجمهور استهلاكي لا إرادة له، وجل همه ان يقبض معاشه آخر الشهر ليبدأ مهرجانا للانفاق والصرف وفقا لانماط مشوهة في اغلب الاحيان وهذا ما يخص ابناء الطبقة الوسطى ومن هم اعلى بحسب مستوى الدخل، اما اصحاب الدخول المتدنية فالبؤس يلاحقهم بداية ونهاية الشهر وما بينهما.
بعد كل هذا التنظير في الفنادق الفخمة، وعقب مئات الخطط الاقتصادية الخمسية والسنوية والحكومية وغير الحكومية، ما الذي انتهينا إليه؟ او لنسأل ما هويتنا الاقتصادية على صعيد الفرد والدولة وما بينهما؟.
كثيرون يعرفون الاجابة بل ويقعون تحت ضغوط تفاصيلها، ولكن المستهلك العربي في العموم، والمحلي على وجه التحديد تحول الى مشارك تقليدي في اقتصاد لم يؤسس ليكون انتاجيا ومعرفيا.
منذ عقود ونحن نقول إن اقتصادنا يسعى الى ان يتخصص في الخدمات فهل تخصصنا او برعنا في ذلك؟ ونتحدث ايضا عن البحر الميت والبتراء ورم وعجلون وجرش والآثار الرومانية والقصور الاسلامية ومقامات الصحابة الابرار، ولكننا لم نتحرك خطوات حقيقية باتجاه ان يصبح اقتصادنا سياحيا بامتياز، او لنقل ان كنوز السياحة التي تحتضنها الجغرافيا الاردنية لم تستغل على نحو منافس كما فعلت دول مجاورة وحققت قصص نجاح استثنائية يشار اليها يوميا آلاف المرات.
لم نضع خطة واحدة بهدف واحد لتكون البلاد ذات هوية اقتصادية محددة، وظل التجريب في القطاعات هو العنوان الابرز لملامح العمل الاقتصادي خلال العقود الماضية، وارتبط هذا التكريس لريعية الاقتصاد بتشوهات خطيرة ليس أقلها تضخم مديونية الدولة خارجيا وداخليا وترافق عبء المديونية مع بيع موجودات الدولة من مؤسسات – معظمها كانت ناجحة – والمضي قدما في فكرة البيع مهما كانت الخسائر على المدى البعيد حتى وصلنا الى موازنات مأزومة ومديونية مرعبة وعجوز متراكمة، تستوجب حملة مع الحلفاء الدوليين والعرب لجلب المزيد من المساعدات لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
موازنات تعد على عجل ويتركز فيها الانفاق الجاري، ويتصاعد أمامه الانفاق العام ويستحوذ بند الرواتب على حصة الاسد من اي موازنة للدولة، وتظل ذات الانماط التي تنطوي على التشوه ترافق كل جهد اقتصادي، حتى ان كلفة اعادة هيكلة الرواتب في القطاع بلغت ما يقارب نصف بليون دينار، وهي في طور الدراسة حاليا ومن المتوقع ان تطبق مطلع العام المقبل.
لا نختلف في التوجهات الانفاقية وتغييب الحالة الانتاجية عن غيرنا من العرب؛ ففي الدول النفطية العربية ثمة إنفاق وبذخ وسيارات بملايين بل وارقام سيارات تشترى بالملايين وشباب لا هم لهم الا ان ينفقوا اموالا لم يتعبوا في تحصيلها، فهي اموال سهلة المنال بسبب وفرة كنوز الارض تحتهم، وهم استمرأوا تلك الحالة الكسولة ولا تعنيهم تحديات الانتاجية في شيء.
كل ما يجري حولنا على الصعيد الاقتصادي لاعلاقة له بالانتاجية، وثمة إدارات لا تقيم وزنا للانتاجية وشغلها الشاغل ارضاء المدير والنفاق أمامه وامتداح ملابسه وافكاره الخلاقة، وتضيع وسط هذا العبث اي معان للتطور والانتاج والنماء.
لسنا دولة نفطية ولدينا اشكالية مزمنة في تدبير حاجاتنا من الطاقة، كما أننا على سلم الدول العطشى للمياه، وفي مقابل ذلك لدينا موارد يبدو انها لم تستغل بعد سواء المتعلقة بالارض وما عليها من كنوز أو بالانسان الذي اعددناه ليكون استهلاكيا غير منتج، في حين يقاس تقدم وتطور الاقتصاد والشعب في اي دولة بمدى تطور الانتاجية لديه وقدرته على ابتكار حلول ناجعة للمشاكل المستعصية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة حسن احمد الشوبكي