ثمة ما يدعو الى التمحيص والتدقيق في حال الإنسان العربي وهو يصوغ ملامح غده في هذا الربيع العربي، الذي نأمل أن يتم بعده تخليق حالة سياسية واقتصادية يكون الإنسان هدفها وأداتها في آن معا.
مشهد التهميش منتشر على امتداد الجغرافيا العربية وتزيد وعورته كلما طال عمر النظام، ولا فرق بين بنغازي أو القاهرة أو سيدي بوزيد أو دمشق أو صنعاء، كما أن الأمر متشابه اذا ما قورنت تلك المدن التي تشهد مخاضات جديدة مع مدن أخرى لم تصلها رياح التغيير بعد أو بالسرعة ذاتها، ويمكن القول إن المدن والقرى ومثلها التجمعات السكانية -وقبلها إنسانها- تعاني من العبث ذاته الذي مارسته الأنظمة على امتداد عقود ما بعد استقلال الدويلات العربية عقب الحرب العالمية الثانية.
كيف يمكن أن نفهم أن دولة نفطية مثل ليبيا وفيها من الموارد ما يؤهلها لأن تكون منافسة في منطقة شمال أفريقيا كانت معزولة عن محيطها وعن العالم وأن البنية التحتية فيها تتواضع الى مستويات مخزية، إذ إن الصرف الصحي مفقود ويتلقف البحر بشكل حاد الضرر ما يأتيه من فضلات وأوساخ، ليس هذا وحسب، بل كيف نفهم أن حجرا للأساس يوضع قبل أكثر من أربعة عقود بقصد تأسيس مركز طبي كبير من ثلاثة أبراج، ويتم تشغيل برج واحد فقط في العام الماضي وبشكل يقل كثيرا عن مستوى الدعاية التي رافقت هذا المركز، ومثله مشاريع "عملاقة" للأنهار "العظيمة" والمياه وتحليتها ولم ينفذ منها شيء.
يقال إن الحكمة يمنية، ولكن النظام الذي يتأرجح في اليمن اليوم لم يكن كذلك، وبقي العباد ومعهم بلادهم أسرى للتهميش وضيق وضعف ذات اليد ورداءة التنمية، وتاهت أجيال كثيرة بين الداخل والخارج، ولم يتحرك قطار التنمية ونهبت خيرات البلد تحت عناوين النهب والنخب الفاسدة والتعامل مع السكان بوصفهم عبئا، وظلت قطاعات حياة الناس في الصحة والتعليم وما سواها رثة هزيلة، وتكفيك جولة واحدة في العاصمة وليس في الأطراف حتى تشكل رأيا حيال بلد اشتهر تاريخيا بأنه سعيد.
حضارة الخمسة آلاف سنة ليست أفضل حالا اليوم، فالعشوائيات التي تنتشر حول "قاهرة المعز" تزيدك حزنا وتمعن في إحباطك، وتتساءل وأنت تمر بها، متى سيبزغ فجر جديد لتلك الملايين التي تنتظر فقط إعلان وفاتها بعد أن ضاعت كل المعاني والقيم وضاع حقها في الحياة بكل ما في الكلمة من دلالة؟ والأزمة ذاتها غياب الاهتمام بالإنسان وتجاهله، بل وتحقيره لصالح نخبة حكمت البلاد عنوة وجل رموزها اليوم خلف القضبان بانتظار عدالة الأرض، وإعادة رسم المشهد بشكل مختلف ومنح مصر وإنسانها الحق في النهوض من جديد على أساس الحضارة التي ألفها المصريون في زمن مضى.
تطالعك وأنت في درة الشام عبارة متخمة بالكبرياء والغرور "كل المدن لها تاريخ إلا دمشق، فمنها يبدأ التاريخ"، وبقدر ما لهذه العبارة من معاني الفخر، فإن الواقع يناقضها ويكشف وجها للمدينة بلا رؤية اقتصادية ويغلب عليها الشقاء لا التميز؛ فإنسانها وكذلك هواؤها ممزوجان بالتعب، وغابت عن أقدم المدن والعواصم روح الحياة، بعد أن فعلت الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية عقب منتصف القرن الماضي أفاعيلها وما تزال.
المفارقة في كل الأمثلة الآنفة أن التنمية كانت، بالنسبة للنخبة الحاكمة، مجرد كلمات تكتب على القماش أو الجدران، كما أنها ليست إلا لحظة عز وفخار يشعر بها المرء للحظات ثم يمضي الى ألمه بكل ثبات، لم تكن التنمية في الدول العربية هدفا بل خديعة وكذبا، والمأمول من هذا الربيع العربي أن يواصل انتفاضته من أجل رفع التهميش عن الأفراد والمجتمعات وبما يؤهل الإنسان العربي ليكون أساس التنمية ومعيارا دقيقا لاختبار نزاهتها أو كذبها.
حسن احمد الشوبكي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حسن احمد الشوبكي العلوم الاجتماعية الآداب