ثمة عورات تكشفت بعد شهور من تفجر ثورات الربيع العربي، كان آخرها عملية الكشف عن استماتة الأنظمة في الدفاع عن الكراسي لا الاوطان بعد ان اختزلت بلاد بأكملها في شخص فرد واحد؛ ثروة وسلطة وإرادة، احدهم يختبئ تحت الأرض ويهدد العالم بأسره وآخر طالت النيران ما طالت من جسده وما يزال يجلس على ذات الكرسي وثالث كسر شعبه حاجز الصمت ونطق بإسقاطه، لكنه مستمر في المناورة بذات المفردات والأدوات القديمة التي كانت سببا فيما نطقه الشعب.
كل شيء يجب أن يزول لصالح بقاء الحاكم، هذا هو نسق النظام العربي في احدث تجلياته بعد الالفية الثالثة للميلاد، وليس مهما اذا تفاقمت معاناة الليبيين واليمنيين والسوريين، الشيء الوحيد المهم هو ضمان ايجاد مخرج وحياة رغيدة لاحقة لرؤوس الانظمة الثلاثة في الفترة اللاحقة حتى لو اعتقل نصف الشعب أو دمر الاقتصاد او اتسعت رقعة الكوارث الانسانية في تلك الدول الثكلى بحكام لم يجرّوا اليها الا الخيبات.
أفاق الليبيون في مطلع ثمانينيات القرن الماضي على قرار يوقف التجارة، اذ استولت الدولة بمؤتمراتها الشعبية المخادعة على الثروة والمحال التجارية ووضعت حدا لملكية الأفراد، وتوقف التبادل التجاري بين ليبيا ودول العالم واعتبر النظام معظم المستوردات آنذاك رجسا من عمل الشيطان، أذعن الليبيون وقتها للقرار الغريب وبدت البلاد مسرحا لتجريب لا علاقة له بالايديولوجيا الاشتراكية، هذا التجريب الفاشل كان سببا في فوضى وفقر وتهميش طال ملايين الليبيين رغم أن دولتهم تحتفظ بثاني اكبر احتياطي نفطي في القارة السمراء.
وإمعانا في تكريس ارادة القائد والفاتح وتدمير ارادة الشعب، كانت الاستخبارات الليبية تعمل على نحو ممنهج وفق وحدة متخصصة لمكافحة النجومية هدفها قتل واقصاء وتحييد اي نجم في سماء ليبيا، وعليه فكان ممنوعا أن يتصدر المسرح فنان أو نجم غير القذافي، وكذلك في الطب والعلوم والآدب، وقامت الوحدة بقتل الكثيرين ومنعت أي صاحب شهرة في ليبيا من الوصول الى قلوب الجماهير باعتبار ان النجومية خطر يجب أن يكافح، ولا يمكن لأي باحث أن يحصي عدد رجال الاعمال والمستثمرين الليبيين مجهولي المصير، ومثلهم الأطباء والساسة والفنانون.
حدثني نجم الكرة الليبي فوزي العيساوي وهو احد ابرز لاعبي منتخب العرب في الثمانينيات ان فرصته في الاحتراف خارج بلده قتلت في مهدها، ورغم ان عروضا كبيرة ومغرية للشهرة جاءته من اندية عريقة ايطالية والمانية، الا أن هذه العروض قوبلت بـ"لا"، والسبب أن رأس النظام نشر كتابا اخضر يمنع فيه بيع اللاعبين باعتبار أن عملية البيع تلك تنطوي على عبودية ورق وتحليلات اخرى عبثية، ورغم حزن العيساوي على الخسارات التي لحقت بفرص جيله ومَن قبله في التميز والشهرة، الا أنه يتمنى أن تتاح الفرصة في مرحلة ما بعد القذافي لكل الاجيال القادمة بالحصول على ما تستحق. كما في التجارة والرياضة، ظلت وحدة مكافحة النجومية تلاحق أي جهد ابداعي، وحرم الليبيون من حقوقهم في ان يكونوا منافسين في كافة المجالات، وبقي"الفاتح" هو الذات وليذهب من هم دونه الى الجحيم، وكان سلاح التعليم الاداة التي قيد فيها القذافي الشعب، فلا داعي لتعلم اللغة الانجليزية، فيما دعا النظام الطلاب الى تمزيق كتب اللغة الانجليزية وبقيت القداسة للكتاب الاخضر الذي يدرس للطلبة على نحو إجباري باعتباره مقياسا علميا لمدى تغلغل الوعي السياسي عندهم او غيابه.
يختلفون في الشكل لكنهم يتشابهون في المضمون، ففي ليبيا وسورية واليمن وبلاد عربية أخرى ثمة دول تقلصت لتكون بحجم فرد لا شرعية له، ولا نجومية أمام ألق القائد وفكره، فهو الاقتصادي والرياضي والمفكر والمنقذ الاول.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة حسن احمد الشوبكي