لا تفارق الذهن كلمة قالها ذات حديث عن الإصلاح من حاز قبل سنوات على جائزة نوبل في الكيمياء العالم العربي أحمد زويل، قال حينها إن الأمور لا تستقيم في الحياة السياسية والاقتصادية وفي تفاصيل الإدارة والحكم إن لم تكن نقية كنقاء الكريستال، وإن معيار تقييم النجاح أو الفشل لما يحدث للناس وبينهم لا يكون إلا من خلال قياس مدى وضوح الرؤية والفكرة والتطبيق فيما بعد.
اذا اعتمدنا هذا المقياس ودرجة النقاء اللذين يبحث عنهما مازويل في مجتمعات يعرف هو أكثر من غيره ضعفها وحجم الوهن الذي تفشى فيها، فإننا سنسقط في اختبارات عديدة؛ أولها أن الجهد الاقتصادي الأردني -على سبيل المثال- طيلة السنوات بل والعقود الأخيرة، لم يتمكن حتى اللحظة من الإجابة عن أسئلة حاجات الأردنيين ومعاشهم ورفاههم، فلا إجابة عن سؤال شح المياه ولا نقص المشتقات النفطية ومثلها أسئلة بيع موجودات الدولة تحت مسمى الخصخصة من دون أن تفضي عمليات البيع تلك الى تغيير ذي أهمية في حياة الأردنيين.
بالعودة الى زويل، أين هو نقاء الكريستال في كل جهود الحكومات عندما يعلم المواطن الأردني أن مخزون البلاد من المشتقات النفطية، يكفي لشهر واحد، ألا يعني ذلك أن ثمة ما هو مقلق وأن الحكومات التي تبقى لعام أو أقل لم تتمكن من رسم استراتيجية تعمل على حل مشكلة وتهديدات نقص الطاقة.
أزمة المياه لا تقل خطرا عن سابقتها -أزمة الطاقة- إذ تتشكل حكومة وتمضي أخرى وشبح الأزمة يبقى يخيم فوق الرؤوس وما تزال بلادنا ضمن قائمة الدول الأكثر فقرا على صعيد شح الموارد المائية، ومثل الطاقة والمياه هناك أسئلة كثيرة عن مستوى حياة الأردنيين وتراجع قدرة الشراء لديهم بفعل ضآلة المدخولات وضغوط التضخم المتزايدة، وإذا سألت كثيرا من الأردنيين عما اذا كانوا يرون أن هناك من يخطط من أجل سعادتهم وحل مشاكلهم المزمنة بطريقة واضحة وشفافة مثل كريستالة زويل، فستجد أن الإجابات في معظمها ستنطوي على عدم ثقة مزمنة بين فريقين؛ الأول يضم من يجلس على كرسي المسؤولية ولا يعلم متى سيمضي الى بيته ومعه قطاع خاص ضعيف وغير مبدع وقبلهما برلمان هش ومؤسسات مجتمع مدني تبحث عن دور وأحزاب لا حول لها ولا قوة، وبين فريق آخر يتلقى الصدمة تلو الأخرى ولا يرى في الأفق أي إجابات عن أسئلة المعيشة أو حتى على التحديات الأساسية التي يعاني منها الفرد والدولة.
يطل علينا وزير الطاقة ليقول إن مخزوناتنا النفطية تكفي لشهر، وربما يتبعه وزير المياه في إطلالة مشابهة ليقول لنا إن العشر الأواخر من شهر رمضان ستكون بلا ماء، وقد يجد وزير المالية قبيل ليلة العيد أن خزينة الدولة فارغة، فيقرر أن لا تسليم للرواتب بعد العيد؛ عبارات السخرية تلك قد تصبح حقيقة أمام عدم نقاء الرؤية.
الحكومات التي تنخرط في مسلسل إطفاء الحرائق الصغيرة منذ اليوم الأول لتعيينها ومعها قطاع خاص تابع وبرلمان من دون هوية سياسية وقبلهما مواطن وصل الى مستويات خطيرة من الاغتراب حيال ما يدور حوله بسبب انعدام الثقة.. جميعها معا تعبر عن خلطة لا تسمح بالوضوح، فلا الكريستالة نقية ولا الهدف كذلك، ومن يرى في ذلك إجحافا أو تهويلا، فعليه بأن يراجع ملفات ما سمي بالإصلاح الاقتصادي والسياسي لدينا خلال النصف الأول من العام الحالي ليكتشف أن لا إصلاح ولا ما يحزنون، وأن لا وجود أصلا للكريستالة.

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب