بعيدا عن التفاصيل، قد تسهم مبادرة "كوفي أنان" في زيادة الضغط الاقتصادي والمالي والسياسي على الأردن وقد تكون فرصة لتحقيق عكس ذلك. فقد فتحت مبادرة "أنان" بابا ممكنا لمعالجة الأزمة السورية، وفي نفس الوقت أبرزت خلافات التحالف الذي كشف أوراقه لإسقاط النظام السوري، فترددت أميركا، وتركت حلفاءها الفرنسيين والأتراك والخليجيين في ورطة، فلا هم بقادرين على استمرار سنّ سكاكينهم ولا هم بقادرين على التراجع، بينما نجح الأردن في مقاومة ضغوط جدية مارستها عليه أطراف إقليمية ودولية نافذة بوخز أوراقها الحادة كما الإبر، وبقي ثابتا على ثوب جغرافيته وتاريخه ومصالحه الاستراتيجية.
يواجه الأردن صيفا حارا على مفترق طرق ثلاثي المسارب المتداخلة، الأول وضع مالي تزداد خطورته، والثاني وضع إقليمي غيّر تحالفات وبدلها بميكانيكية متسارعة زادته تعقيدا، والثالث وضع داخلي ما يزال بعيدا عن الهدوء.
على المسرب المالي ومع ارتفاع كلف تسديد الدين العام، وخطورة مزيد من الاقتراض ونضوب فرصه بالأصل، تتضاءل فرصة إنقاذ الموازنة العامة ويزيد الضغط عليها.
وعلى مسرب الوضع الإقليمي المعقد، وبعد أن كشفت قوى إقليمية عن أهدافها في سورية والإقليم، وبعد امتناع الأردن عن الإنخراط بخططها لتحقيق تلك الأهداف، يمكن أن تتردد تلك القوى في تقديم يد العون للأردن للخروج من أزمته على المسرب الأول. وما يزيد الضغط عليه هناك، ويفتح تحويلة صعبة على المسرب الثالث بضغوطه الداخلية وتداعياتها المالية والسياسية، بدءا من البحث عن فرصة عمل وانتهاء بمطالب طرد السفير السوري من عمان.
في خمسينيات القرن الماضي، اتفق الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس الهندي نهرو والرئيس اليوغسلافي تيتو على ما أسموه حينها بسياسة "عدم الإنحياز والحياد الإيجابي" التي اطلقت تحالفا دوليا ثالثا في وجه صراع المعسكرين على النفوذ بقيادة أميركا والاتحاد السوفييتي اللذين تقاسماه آنذاك، والتي ما لبثت أن انتهت بموت روادها. فهل استرشد الأردن يا ترى خلال الشهور الماضية ببعض من مبادئ تلك السياسة؟
لكن الأهم من السؤال وجوابه، أن الخيارات أمام صانع القرار تبقى مفتوحة في الشمال والشرق والجنوب للخروج من مفترق الطرق الصعب، بأقل الخسائر وأعلى المكاسب وسلب فرصة البعض للتلذذ بعذابات الأردنيين ومعاناتهم في عالم تتقاطع فيه طرق السياسة بالمال والاقتصاد والتاريخ بالجغرافيا، ما يتطلب تعزيز التحالف الأردني مع القوى العالمية في الغرب وفي الشرق وترشيد القرار الخليجي والإعداد لدور وساطة عربية، مع عدم الدخول في التحالفات الإقليمية المتبدلة لتبعاتها شديدة الأثر على الأردن بواقعه الصغير الكبير ولضبابية الصورة حتى الآن.
لكن خياراته على المسرب الثالث الداخلي تبقى أكثر سهولة وأهمية لشدة تأثيرها على المسربين الأول والثاني، ليخرج رابحا بامتياز على المسارب الثلاثة، ما يحمّل أركان القرار والحكومة مسؤولية تاريخية إضافية.
المراجع
ammanxchange
التصانيف
صحافة زيان زوانه جريدة الغد