شهد التاريخ العربي المعاصر انقطاعاً مدته نحو أربعين سنة، بين أواخر أربعينيات القرن العشرين وأواخر ثمانينياته، تراجع خلاله هدف "تحديث" الدولة والمجتمع العربيين، لصالح هدف "تحرير فلسطين"، الذي استُعمل أيضاً غطاءً للدولة الشمولية في غير مكان في العالم العربي، وكذلك للانقلابات العسكرية، كما هو معلوم.
لم يُنجز هدف تحرير فلسطين. لكن ذلك لم يمنع تغيّر أولويات كثير من العرب، مع التغيّرات الكبرى التي عرفها العالم منذ نهاية الحرب الباردة. وقد بتنا نسمع، في السنوات الأخيرة، من يرفضون استمرار اعتبار القضية الفلسطينية بمثابة "القضية المركزية" للعرب، مطالبين باتخاذ "الديمقراطية"، مثلاً، هدفاً مركزياً بديلاً، ليكون "أبو الحلول"، بما في ذلك الحل لتحرير فلسطين.
لقيت مثل هذه الأصوات انتقادات كثيرة، بخاصة لأنها تزامنت واتساع نطاق "عملية السلام" بين العرب وإسرائيل، وبالذات فيما يتعلق باتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية. فاتُهمت (تلك الأصوات) بأنها تخدم ذلك "السلام"، أو تسعى للتطبيع مع "إسرائيل". رغم ذلك، فإن من الممكن قراءة مطلب تغيير "القضية المركزية"، من زاوية تاريخية، وتفهّمه، باعتباره يتعامل بموضوعية مع الأزمة الحضارية العربية، وليس بالضرورة أنه يمثل تخليّاً عن فلسطين.
لقد مثّل قيام "إسرائيل" صفعة قوية لمشروع التحديث العربي، الذي انطلق مع أفكار النهضة الأولى في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ ذلك أن قيام إسرائيل أربك أولويات المفكرين والسياسيين على السواء، فتنازل أكثرهم عن قضية التحديث، كأولوية، لصالح الفكرة التي تختصرها العبارة الشهيرة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وهذا يعني أن مشروع التحديث لم يُنجز كي يكون ممكناً الانتقال إلى مشروع آخر، والنجاح فيه. ومن الطبيعي أن نفشل في تحرير فلسطين رغم كل "الاحتياطات" التي اتُخذت لذلك، بما في ذلك منع الأصوات المضادة لصوت المعركة، ذلك أننا لم ندخل المعركة بأمة محدّثة، بخاصة في ثقافتها التي تحرك سلوكها. وعلى أي حال، فإن فقدان التحديث هو ذاته الذي تسبب بضياع فلسطين أصلاً!
بهذا، يمكن تفهّم مطلب تغيير "القضية المركزية"، باعتباره دعوة لاستعادة المشروع العربي الأصلي الذي تركناه في أربعينيات القرن العشرين من دون أن ننجزه. صحيح أن ما جرى في تاريخنا الحديث والمعاصر أعقد من بساطة "تبديل الأولويات"، إلا أن هذا التبديل كان جوهر ما حدث، ويمكن اعتباره الاتجاه العام للتاريخ العربي المعاصر.
مشكلة الأصوات المنادية بالاتفاق على تبديل "القضية المركزية"، أن خطابها ليس مصاغاً بطريقة جيدة؛ فهو يستدعي العداء أكثر مما يستدعي التفهم، ربما كونه لا يقدم هذا المطلب كجزء من التطور التاريخي للأزمة الحضارية العربية، ولا يطرحه كفهم تحليلي لما جرى سياسياً واجتماعياً في عالمنا العربي. فأكثر الداعين لذلك المطلب، يقدمون أنفسهم كجزء من الحالة العالمية الجديدة التي تنطوي على انتشار الليبرالية السياسية والحريات الاجتماعية، وهو ما يتيح لخصومهم اتهامهم بالتساوق مع "المشروع الأميركي"، أو حتى العمالة لأميركا والاسترزاق من أموالها المرصودة لمشاريع الديمقراطية الكاريكاتورية. وهي تهمة كافية لتنفير الناس من أصحاب تلك الدعوات، أياً كانت حقيقة حرصهم على أمتهم!
ما يمكن قوله، هو أن ثورات "الربيع العربي" التي قادها شباب في غير بلد عربي كان يعيش الدكتاتورية والاستبداد، انطلقت في الحقيقة من هذا التفكير بتغيير القضية المركزية العربية، حتى إن لم تقل ذلك ولم تدركه؛ وذلك كونها مشت في طريق، واختارت أولوية مختلفة. وهذا يعني أن ثمة، من دون شك، تفكيراً غير معلن بضرورة استعادة المشروع العربي الأصلي: التحديث واستكماله؛ فهو الضمانة للخروج من الأزمة الحضارية العميقة التي نعيشها، بما في ذلك على صعيد الحرية والتحرير.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد