يذهب نفر من المفكرين إلى القول إن نقد "تابوهات" المجتمعات العربية، من تلك التي تعيق نهضتها، وصولاً إلى هزّها وتغييرها، لا يجوز أن يجري بطريقة صدامية، بل برفق ولين، وبالتدريج، وعلى طريقة "تدوير الزوايا"؛ ذلك أن الصدام يدفع أنصار التابوهات للاستنفار، فتُلاقى الأفكار الجديدة بتهم مثل "الابتداع" وما شابه، ويتحول الجدل من مناقشة الأفكار الجديدة، إلى مناقشة نوايا أصحابها.
أما أنصار الصدام الفكري المباشر مع تلك التابوهات، فيرون أن الرفق واللين لا يؤتيان أُكلا. ذلك أن أحداً لن ينتبه، نتيجة ذلك، إلى النقد، وسيمضي من دون أن يثير ضجة ودهشة. فيما الصدام المباشر يدفع بعضاً من الناس للاهتمام به، وربما لتأييده. وهكذا، مرة بعد مرة، يزيد أنصار التغيير، ويكون له روافع في الحياة اليومية للمجتمع.
وما يجب أن نقوله هنا، مستعملين المنطق والمشاهدات اليومية في مجتمعاتنا، هو أن الصدام، تماماً كما الرفق واللين وتدوير الزوايا، جميعها لا يؤتي أُكلا. فمجتمعاتنا تمضي في حياتها أياً كان ما يُطرح فيها، ولا ينال أمر الصدام الذي يمارسه بعض المشتغلين بالفكر سوى نقاش جانبي على هامش الاهتمامات المعيشية الكبرى لدى الناس، وعادة ما يُعالج بالانطباعات والعموميات، في تأكيد على هامشيته قياساً إلى السياق العام للحياة اليومية في مجتمعاتنا. وهكذا، فالحقيقة أنه ليس ثمة مساحة تأثير حقيقية تتنافس فيها مدرستا الصدام الفكري وتدوير الزوايا، ذلك أنهما، معاً، إنما يفضيان إلى النتيجة ذاتها: انعدام الأثر!
لا بد أن هنالك "خطوة أولى" يجب تحقيقها قبل تدارس الخلاف حول آلية طرح الأفكار الجديدة في مجتمعاتنا: بالصدام أو بغير الصدام. تلك الخطوة الأولى تتمحور حول تغيير اتجاهات الناس في ماهية الموضوعات التي يتابعونها: من السياسة إلى الثقافة (ولكن بمعناها السلوكي)؛ أي تغيير "حقل التسلية" لديهم، من ملاحقة التطورات السياسية من دون التأثير فيها، إلى متابعة المستجدات الفكرية والنقاش حولها، أو حتى من دون النقاش حولها.
من يا تُرى هو المطالب بخلق هذا التغيير في انتباه الناس سوى الإعلام؟ الإعلام هو الوسيلة الأساسية لتغيير تلك الاهتمامات، ليس لأنه هو الذي يكرس فكرة أولوية السياسة وحسب، بل لأن الإعلام العربي -أيضاً- صاحب تجربة سابقة في تغليب الثقافة. فحينما ركّزت الفضائيات العربية، في بداياتها، على الفكر والتاريخ، دار جدل المجالس حولهما تحديداً. وحينما استعادت الفضائيات الدور التقليدي للإعلام العربي، متمثلاً بالجدل حول السياسة، فقد استغرق اهتمام الناس تماماً في السياسة.
وإذا كان ثمة حجة لدى الإعلام لتناسي ملفات الثقافة، مفادها توالي الأحداث السياسية الكبرى خلال العقد الأخير، وتحديداً منذ هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، مروراً باحتلال العراق وتبعاته "المثيرة"، وحتى مستجدات القضية الفلسطينية، ومستجدات السياسة العالمية، فإن ما يجب لفت الانتباه إليه هو أن كافة مقتضيات السياسة، وقعودنا عن التأثير فيها، إنما تنبع من أصل ثقافي يتجلى في حال المجتمعات العربية.
لقد كان ممكناً للإعلام العربي أن يستغرق في تلك الأحداث السياسية الكبرى، ولكن من زاوية ثقافية، لكنه لم يفعل ذلك إلا لماماً، واندفعت البرامج الحوارية، فضلاً عن نشرات الأخبار، إلى استضافة السياسيين عوضاً عن المفكرين. فاستمع الناس لشرح مطول عن نتائج السياسة، من دون أن يسمعوا شرحاً لأسبابها. وهكذا، دار انتباه الناس حول النتائج من دون الأسباب، وكان هذا المشهد الهزلي البائس: اهتمام بما لا يمكن التأثير فيه، متمثلاً في السياسة، وعزوف عمّا يمكن تطويره وصولاً إلى التأثير في السياسة نفسها، متمثلاً في الثقافة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد