لم يعد ممكناً، كما قلنا مراراً، اتزان الحياة في مدينة ما، في العالم كله، من دون "ثقافة مدنيّة" تحدد وتؤطر السلوك اليومي، الفردي والجماعي، في تلك المدينة. هذا الحال ينطبق طبعاً على عمّان التي ما يزال مجتمعها، كما مجتمعات معظم المدن العربية الكبيرة، يراوح بين المدنيّة وما قبل المدنيّة، في شكل سلوكه، وفي مضمونه أيضاً، فالقانون يُحترم من الناس ولا يُحترم في الآن نفسه، والفضاء العام تُحترم ملكيته العامة ولا تُحترم في الآن نفسه، وليس مرد ذلك فقط أن ثمة من يحترمون القانون والفضاء العام ويمارسون مفردات الثقافة المدنية، وثمة من لا يحترمونه ولا يمارسونها، بل أيضاً أن ثمة من يترددون في سلوكهم بين هذه وتلك، لأنهم يعيشون، في لاوعيهم، ثقافتين: قديمة وجديدة، تتراوح بينهما مصالحهم اليومية والمعيشية، وذلك طبيعي ما لم تصبح ممارسة مفردات الثقافة المدنية في مصلحة وحيدة لكل واحد فينا.
لكن، وما دامت الثقافة المدنيّة الجديدة لم تمثل بعد مجالاً لتحقيق المصلحة الفردية لكل واحد فينا، فتتكرس في حياتنا بالضرورة، فإن ثمة من يلجأون إلى مداخل أخرى، سوى "المصلحة"، لتكريس تلك الثقافة، وأبرز تلك المداخل هي الإيمان الديني، فيقولون إن تلك الثقافة هي ما يريده الإسلام، بدليل أن المسلمين سمّوا دولتهم الأولى باسم "المدينة"، وهكذا فبدل أن يقبل الناس الثقافة المدنيّة لأن فيها مصلحتهم الحقيقية، يريد أصحاب تلك الفكرة من الناس أن يقبلوها لأنها "ثقافة مقدسة"!
ثمة ملاحظتان على تلك الفكرة:
الأولى: أنها تستعيد تلك العقبة الأساسية التي ظلت تعاني منها البرامج والأفكار والتطبيقات التي عرفها العالم العربي على امتداد القرن العشرين، وسببت فشلها الذريع في إنجاز النهوض الحضاري المأمول، وتتمثل في اتجاه كل الأفكار لاختيار نموذج تطبيقي عرفه بشر آخرون غيرنا، سواء عاشوا في زمان آخر أو يعيشون في مكان آخر، والقياس عليه لتحديد مدى وجاهة ما نصنع وقيمته ونفعه لنا، كما فعل، مثلاً، الشيوعيون العرب حين اتخذوا الاتحاد السوفيتي نموذجاً يقيسون عليه. وقد منعت فكرة "النموذج" ابتكار تطبيقات وبرامج جديدة بالكامل تناسبنا نحن وحدنا زماناً ومكاناً وتحتفظ في الوقت نفسه بالمرجعية الأساسية التي تنطلق منها، على طريقة ما حدث مثلاً في الصين التي ابتكرت منهجها الخاص، مستندة فقط على النظرية الأصلية من دون استعمال التطبيقات البشرية الأخرى، فأنجزت نهضتها. يمكننا طبعاً أن نلجأ لتفكير مبني على روح الإسلام، لكن من دون حاجة لأي نموذج جاهز، لأنه سيظل نموذجاً يناسب زمانه ومكانه ولا يناسبنا نحن بالضرورة.
الملاحظة الثانية: أن القياس على مجتمع وجد قبل مئات السنين، حتى لو كان قياساً إيجابياً، وحتى لو استخدمنا في وصفه مصطلحات معاصرة مثل المواطنة والدستور والعوامل الاقتصادية، هو قياس يهدر البعد التاريخي في تغيّر بنى وأحوال المجتمعات البشرية، وطبيعة الدول التي تقوم عليها. صحيح أن مجتعاتنا العربية ما تزال تراوح كما يقال بين الأبوية والحداثة، إلا أن هياكل دولنا هي هياكل معاصرة: فلدينا دساتير وسلطات ثلاث ومؤسسات، ولذلك فإن قياس دول ذات شكل معاصر على "دولة" سابقة، هو قياس غير موضوعي، نجد أنه يضطرنا، في حال الإصرار عليه، إما إلى استعمال مصطلحاتنا المعاصرة لوصف تلك الدولة، مثل الدستور والمواطنة وما شابه، برغم أن تلك الدولة لم تعرف هذه المصطلحات والمفاهيم، أو يضطرنا إلى العكس؛ أي استعمال مفاهيم ومصطلحات تلك "الدولة" لوصف دولنا ومجتمعاتنا المعاصرة برغم أنها لا تناسبنا ولا تنطبق علينا.
هكذا، ليس ثمة فائدة كبرى من اللجوء إلى مداخل أخرى، سوى "المصلحة"، لتكريس الثقافة المدنيّة.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية