ظل أداء مجتمعنا في مجالي الإقبال على التعليم، والحصول على الدرجات العلمية، منذ أربعة عقود على أقل تقدير، أداءً مميزاً ويدعو للفخر. يومها، لم تكن مفاهيم ومتغيرات مثل "العنف الطلابي"، قد ظهرت بعد، مهددة ليس فقط سلامة العملية التعليمية في المواقع التي تظهر فيها، بل أيضاً "ثقافة التعليم" في مجتمعنا، ومجمل الإنجازات التعليمية التي تحققت على مدار السنين.
لكن الحديث عن العنف وحده، باعتباره تهديداً عميقاً للتعليم في جامعاتنا ومدارسنا، رغم أهميته وجديته وموضوعيته، إنما يغفل عنفاً آخر، ناعماً إن جاز التعبير، وربما أكثر تأثيراً، تواجهه العملية التعليمية والسمعة التعليمية بمجملها، ويتمثل في الارتفاع المتزايد، بل الجنوني، لكلف التعليم.
علينا أن نتساءل، والحالة هذه، إن كان يمكننا مواصلة الفخر بالإنجازات التعليمية مستقبلاً، أم أننا سنكون -لا سمح الله- مقبلين على تراجع تعليمي ما؛ إن على الصعيد الكمي، أي أعداد الحاصلين على تعليم جيد، أو على الصعيد النوعي، أي نوعية التعليم المتاح للسواد الأعظم من الطلبة، وبخاصة طلبة المدارس؟
هذه الهواجس مرتبطة بالضرورة، بتدهور الأحوال الاقتصادية لمعظم الأسر الأردنية، وارتفاع كلف التعليم النوعي الذي يعرف الأردنيون أنه متوفر في المدارس الخاصة والجامعات الحكومية! فحتى الساعة، ظلت معظم الأسر الأردنية حريصة على توفير التعليم اللائق لأبنائها، ولو على حساب أساسيات الحياة الأخرى؛ معتبرة أن حصول الابن والابنة على التعليم، هو بمثابة سلاح يحميه من عاديات الزمن، وبمثابة استثمار مستقبلي حقيقي. فهل يا ترى، ستتمكن الأسر الأردنية من الحفاظ على "ثقافة التعليم" هذه، رغم ما فيها من عيوب، مثل عدم الاهتمام بالعلم نفسه بل بالشهادة العلمية، أم أنها ستتراجع عن هذه الثقافة تحت وطأة الارتفاع الجنوني في كل من تكاليف المعيشة، وتكاليف التعليم؟
لا يجوز أن نفتخر بالحصول على التعليم، من دون اختبار نوعيته وماهيته، بخاصة أن مصدر الفخر في هذا المجال هو سلوك الأسر الأردنية وثقافتها تجاه فكرة تعليم أبنائها، وليس الاهتمام الحكومي بالتعليم والبيئة التعليمية. إذ لا نتجاوز الحقيقة إن قلنا إن الأسر الأردنية تنظر اليوم للمدارس الحكومية باعتبارها تقدم تعليماً غير رفيع، لا يطلبه إلا أصحاب الدخول المتدنية الذين لا يتوافر عندهم المال اللازم لإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة.
في زمن مضى، قبل أكثر من نصف قرن، كان الالتحاق بالمدارس الحكومية لدى الأسر الأردنية مُفضّلاً على المدارس الخاصة، كحال تفضيل الجامعات الحكومية على الخاصة في العقدين الماضيين. تغيّر الأمر اليوم، وباتت المدارس الحكومية تدعو للنفور بسبب تدني نوعية التعليم فيها، وغياب الرقابة التربوية تجاه طلبتها، على عكس معظم المدارس الخاصة التي باتت تقدم تعليماً أفضل، مقروناً برعاية تربوية وإنسانية لطلبتها، يرتفع مستواها بارتفاع رسوم وأقساط المدرسة.
لا تملك الحكومة فعلياً القدرة على الضغط على المدارس الخاصة لتخفيض رسومها ومتطلباتها المالية المرهقة بالنسبة للسواد الأعظم من الأسر الأردنية، برغم وعودها (الحكومة) المستمرة بشأن تحديد سقف أعلى للرسوم. لكن الحكومة تملك القدرة على رعاية مدارسها، والسعي إلى تغيير الصورة غير الطيبة التي طُبعت بها. هذه هي الفرصة الوحيدة كي يكون التعليم، الذي هو حق طبيعي للجميع، لائقاً نوعياً، وليس رقماً كمياً وحسب.
بغير ذلك، ستتزايد الفجوة التعليمية بين أبناء الأغنياء وأبناء الفقراء؛ فيحصل الأغنياء على تعليم جيد ورعاية تربوية ونفسية، فيما يحصل الفقراء على تعليم رديء من دون رعاية تربوية. هل يجوز عندها القول إن التعليم سيظل مصدراً للفخر في مجتمعنا، هكذا على الإطلاق، ومن دون تمييز نوعيته وماهيته؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد