صحيح أن حركة الشاحنات عبر منفذ جابر الحدودي مع سورية مستمرة، ولكن الحالة الاقتصادية مع الجارة الشمالية ليست عادية بل هي سلبية في معظم ملامحها، فلا دخول يذكر من الطرف الأردني ويكاد طريق الشام الذي كان يضج بالحركة من طرف منفذ حدود الرمثا شبه أن يكون مشلولا خلال الشهور الاثني عشر الماضية وهي عمر الثورة السورية التي مضى عليها عام.
والحالة هذه، تدفق الى الاردن نحو سبعين الف لاجئ سوري وفقا لتقديرات غير رسمية، ويمكن القول ان ثلاثين الفا سجلوا لدى الجمعيات التي تعنى باللاجئين السوريين وعلى رأسها جمعية الكتاب والسنة وجمعية المركز الاسلامي، فيما لم يسجل العدد المتبقي في قوائم تلك الجمعيات او حتى في مفوضية شؤون اللاجئين، لتبقى فسيفساء اللجوء السوري متناثرة على امتداد الجغرافيا الاردنية وبشكل يدعو للقلق ويتطلب دعما اقتصاديا من القطاعين العام والخاص على نحو مخطط له وان نتجاوز مربع التردد والتجاهل الحالي.
ورغم أن الحكومة تسهل دخول اللاجئين وتقوم الدولة بدور أخلاقي في هذا المجال يسجل لها عبر إيواء من هرب من قتل وترويع نظام بشار، إلا ان هذا الدور ينتهي بمجرد دخول العائلة السورية لتتحمل المسؤولية من بعد ذلك جمعيات تمويلاتها وقدراتها المالية محدودة ولا قدرة لديها على تغطية احتياجات عشرات الالوف من اللاجئين، ويمكن فهم تحفظات الحكومة حيال عدم السماح بفتح مخيمات لاستقبال اللاجئين بالاستناد الى ان تواجدهم في مكان محدد وضمن اعداد كبيرة يشكل تحديا امنيا، لكن تشتيتهم هكذا في معظم المناطق والقرى الاردنية ينطوي على أخطاء لها تبعات اقتصادية وأمنية وحتى سياسية.
وإذا كان إيواء اللاجئين في مساكن خاصة هو التحدي الاكبر، فلماذا لا تتبرع جهات رسمية واخرى خاصة من اجل تغطية هذا الالتزام؟ وكيف يمكن ترتيب الاوضاع المعيشية لعشرات الالوف من السوريين من دون توفير التمويلات المالية الكافية للقيام بهذه المهمة، لا سيما بعد ان اصبح تأمين ايجار السكن للعائلة السورية هو الهاجس الاكبر، أما البديل الذي ذهبت اليه عائلات سورية في الاونة الاخيرة وهو العيش في الخيام كما فعل المئات في منطقة غور الصافي بمحافظة الكرك، فهو يبرز تحديا جديدا، فليس من الحكمة ان نزج باللاجئين السوريين الى مناطق وبؤر الفقر الشديد في البلاد، ففي تلك المناطق لا تقوى الاعداد التي تقطنها على مواجهة نكد العيش وهي عرضة للفقر والتهميش والبطالة، فكيف سيكون الحال عندما تنضم اليها مجموعات جديدة عابرة للحدود؟
العشائر والاهالي في المفرق والرمثا والكرك ومعان والزرقاء واربد وعمان وباقي المدن قدموا على امتداد عام الثورة الاول ما جادت به انفسهم وهم بذلك يؤكدون على مسار التكامل لا سيما بين الاشقاء على جانبي سهل حوران في الشمال، لكن ترك هذا الملف لجمعيات قدراتها المالية محدودة او لعشائر تكفلت بما يتناسب مع قدرتها امر ليس مقبولا، والاصل ان تتصدى الدولة وقطاعها الخاص لهكذا مهمة حتى تمر تلك الظروف ويعود اللاجئون بعد سقوط النظام الذي كان سببا في تشريدهم من ارضهم.
القطاع الخاص مقصر والحكومة مترددة والموقف الرسمي الاردني من مسار الثورة السورية يأتي في ذيل المواقف العربية وليس في مقدمتها والمطلوب ان تتحرك الدولة بقوة أكبر وتحسم في مسارات كثيرة عبر علاقة شائكة مع نظام يترنح ويلفظ انفاسه الاخيرة بعد شلال الدم الذي كان سببا فيه على ارض الشام.
بعد عام على الثورة السورية مطلوب من المؤسسات ان تتحمل مسؤولياتها، والمخاوف تتزايد حاليا بسبب تزايد حركة النزوح وتضاعفها ثلاث مرات منذ نحو اسبوعين مقارنة مع اسابيع خلت في شهري شباط (فبراير) وكانون الثاني (يناير) الماضيين، وتبدو المخاوف مبررة اذا علمنا ان موجات نزوح جماعية مرشحة لأن تحصل في اي لحظة من محافظة درعا باتجاه الرمثا عبر الاسلاك الشائكة، فهل نكون جاهزين لتلك التحديات أمنيا واقتصاديا وسياسيا، بدل الارتهان الى التردد؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  حسن احمد الشوبكي