ما تزال طموحات الهجرة محركاً دافعاً لكثير من العرب غير الراضين عن الحياة في أوطانهم، سواء بسبب تدني مستوى المعيشة، أو تدني مستوى الحريات.
وطموحات الهجرة لم تعد تختص بالشباب في مطلع حياتهم، كما ظل يجري خلال القرن العشرين؛ في مرحلتي الاستعمار العسكري الأوروبي، وتأسيس الدولة الوطنية وثيقة الصلة بالدولة المستعمرة السابقة، بل باتت هذه الطموحات تشمل العائلات العربية، ورجال الأعمال، والأكاديميين، والمفكرين المعروفين في بلدانهم. هؤلاء كلهم يهاجرون من أجل حياة جديدة؛ يهاجرون إلى كندا وأستراليا ونيوزيلندا، ويتركون أوطاناً لهم فيها حياة مستقرة، ولكن غير هانئة!
ثمة من يهاجر أيضاً سعياً للحصول على جنسية وجواز سفر، سواء كان يحمل إحداها في بلده، أو كان "بدوناً"، بمن في ذلك الفلسطينيون الذين لا تعترف دول كثيرة بوثائقهم. ولا ريب أن "الحياة الجديدة" في تلك البلدان الجديدة، فيها –بظن من يهاجرون- ما هو أكثر من مستوى المعيشة، والحريات السياسية، وجواز السفر؛ فلا بد أن فيها أيضاً حياة اجتماعية أفضل: لا مجتمع يفرض إرادته على الفرد ويتدخل في آرائه واختياراته وطريقة لباسه، ولا علاقة بالدولة تدار بالواسطة والمعارف، فتتوزع الحقوق والواجبات ضمنها بانتقائية بين "المواطنين"، ولا ضرورة لـ"الشطارة والفهلوة" في الشارع والسوق ومكان العمل، ما دامت الحياة اليومية تدار بالقانون، ولا معاناة نتيجة التصنيف على أساس من تعرف ولأي قبيلة أو طائفة أو جهة تنتمي.. لا حاجة إلا إلى "بيت صغير في كندا"، كما تقول فيروز، لتكون "أنت"، على أساس ما أنت!
بالنسبة لشخص لم يهاجر، مثل كاتب هذه السطور، ولم يسع للهجرة يوماً، فليس ثمة معلومات أكيدة عمّا يجري هناك بين من يهاجرون: هل تتحقق أحلامهم أم لا؟! ذلك ليس مهماً، فالمسألة على أي حال تلامس حلماً ربما حلم به كثيرون: الحصول على فرصة لبدء حياة جديدة، سوى تلك التي نخبرها في ديارنا؛ سواء من خلال هجرة، أو من خلال الضياع في جزيرة بعيدة، كما يجري في الأفلام والقصص! حياة جديدة يغادر فيها المرء حياته بدون أن يموت، ويعيد بناء علاقاته الإنسانية بعيداً عن المصالح المادية المباشرة.
ليس من المبالغة القول إن كثيرين في هذا العالم العربي المليء بالفوضى، يرفضون هذا الواقع ولا يقبلون التصالح معه على علاته. هؤلاء يتمنون أن يتاح لهم البدء من جديد، فلا يتحملون وزر الأسلاف وتبعات الأجداد؛ يتمنون أن يكتبوا حاضرهم بأيديهم، ويصنعوا مستقبلهم وفق حاجاتهم ومصالحهم، متحللين من تلك العقد التي نفرضها على أنفسنا بالإكراه، ونسميها عادات وتقاليد، مع علمنا أنها تعطل تقدمنا ونهوضنا.
لا ريب أن مثل تلك الأمنيات، إنما تعكس غربة عميقة عن المجتمع والناس وتفاصيل الحياة. وإذا كان هذا الشعور بالغربة عامّاً، ومنتشراً، فهو يوفر تفسيراً لكثير من التوترات التي تعتور علاقاتنا الاجتماعية؛ فهي إذن انعكاس لشعور بالهامشية وضعف التأثير، يحسّه كل واحد منّا، يرى الخطأ ويعرف الصواب ويحلم بتطبيقه، لكنه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً.
هكذا إذن: يشعر واحدنا بضعفه وتعطّل طاقاته، فيتهم تلك الشروط التي تقيّدنا بأنها السبب. لذلك، يحلم بـ"حياة جديدة" ليس فيها شروط مسبقة، ويظن أنه سيكون قادراً ساعتها على فرض الصواب وتجنّب الخطأ، بغرض العيش بسعادة ورضا. لكن، ألا تستعيد النفوس البشرية طبائعها دائماً، بعد وقت من بدء "حياتها الجديدة"، وتعود إلى حسابات المصالح، فتظهر التوترات من جديد بين مجموعة البشر، ولا يكون ثمة سعادة ولا رضا؟!
هذا معناه أن "الحياة الجديدة" تتحقق من خلال فرض قواعد جديدة في قيم المجتمع والدولة. كثيرون يعرفون ذلك ويستصعبونه، ويجدون أسهل منه الحصول على "بيت صغير في كندا"!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد العلوم الاجتماعية