تارة يقولون إن صندوق النقد الدولي غاضب، وفي أخرى يتباكون على رداءة الإدارة خلال السنوات الخمس الماضية التي أفضت إلى كل هذا الخراب الاقتصادي، وفي ثالثة يؤكدون أن رفع الأسعار هو السبيل الأمثل لتجنب الانهيار. وثمة رابعة وخامسة من حكومة اكتشفت بالصدفة أن البناء الإنفاقي مشوه.
الحقائق التي كشفها وزير المالية في هذه المرحلة الانتقالية تدين جهة واحدة: الحكومات والنهج الرسمي، وتؤكد حتمية واحدة هي أن إصلاح الاقتصاد يجب ان يتم وفقا لجهد موسع ضمن عنوان أكبر اسمه إصلاح النظام.
يتوقع وزير المالية أن يصل عجز الموازنة إلى 2.4 مليار دينار. كما سترتفع المديونية إلى 17 مليار دينار بحلول نهاية العام الحالي، بعد أن كسرت الحاجز الذي حدده قانون الدين العام وهو 60 % من الناتج المحلي الإجمالي، إذ ستبلغ أواخر هذا العام 72 %، وبما يعني أننا أمام واقع اقتصادي جديد تتخطى فيه التشوهات كل السقوف والقوانين، من دون أن يكون للتعليمات والقوانين أي قيمة لردع الإنفاق في القطاع العام الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.
يتحدث البعض عن أن المشكلة تتركز في استمرار سياسات الدعم والحماية التي تفوق الملياري دينار سنويا. ولذلك، لزاما علينا -كما يرى اصحاب هذا الرأي- رفع الأسعار وجعل المواطن يواجه تقلباتها في السوق، حتى وإن كانت تلك الأسعار بمستوياتها العالمية تفوق أضعافا مضاعفة قدرة المستهلك المحلي.
غير أن العلة ليست في الدعم الذي لا يغيب عن موازنات دول عديدة، وإنما في هيكل بناء الموازنات وتحديد أولوياتها، والتوسع في الإنفاق العام الترفي، وفي هدر المال العام والفساد الذي يعني بالضرورة حل بعض ملفاته حلا عادلا وطي الحديث عن رفع الأسعار حاليا. وربما عدم كفاءة المؤسسات في تحصيل حقوق الخزينة يكون سببا في استمرار العجوزات، لاسيما وأن التهرب الضريبي في الأردن سنويا بالمليارات. وثمة معلومات تتسرب من دائرة الضريبة تفيد بأن نحو 90 % من موظفي الدرجة الخاصة فما فوق لا يدفعون الضريبة. وإذا كان التعامل مع الموظفين الكبار هكذا، فكيف هو الأمر مع الشركات ورجال الأعمال والمؤسسات التي لديها نفوذ واسع لا تخطئه العين؟ ولنا أن نسأل عن حجم الإعفاءات خلال السنوات الخمس التي حظيت بها مؤسسات تحقق أرباحا خيالية؛ ولنا أن نسأل أيضا كم توقيعا لرئيس حكومة كان سببا في خسارة الخزينة لملايين الدنانير.
وفي تقديري، يعد الحديث عن رفع الأسعار في ظل استمرار غليان الشارع العربي عموما والأردني أيضا، بمثابة تحد لإرادة رجل الشارع الذي ضاق ذرعا بحكومات بالغت في إتعاسه، لذلك خرج يطالب برحيلها، وليذهب أبعد من ذلك إلى أن إصلاح نظام مساراته الاقتصادية لا يهدف إلى سعادة الأردنيين، بل عزز من ثروات أغنياء جدد صنعوا شراكة فاسدة بين القطاعين العام والخاص، وسحقت ملايين أخرى تحت تهديدات الفقر والبطالة.
ما كل هذا الارتياح؟ هل تعتقد الحكومة أن الربيع العربي انتهى لتبدأ بالتلاعب بالشارع؟ ما كل هذا الازدراء للرأي العام الذي يجري تحضيره للتجاوب مع قرارات حكومة انتقالية لا شعبية لها، لكن رئيسها يرى أن من واجبه عدم ترحيل الأزمات، وأن يسيء أكثر لمستوى معيشة الأردنيين المتدني؟
لا أصدق أرقامهم ولا حملاتهم ولا بكائياتهم. ما أعرفه أن الحفاظ على حقوق الخزينة يكون بتحصيل تلك الحقوق بشكل فاعل وقانوني، ويقابله وقف لهدر المال العام. فعلا، نحتاج لاصلاح النظام حتى يحاسب النائب -الحقيقي لا المزور- الحكومة والقطاع العام على تشوه الإنفاق، والتواطؤ ضد حقوق الخزينة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة حسن احمد الشوبكي