وحده عبدالرحمن عارف نجا من المصير المحتوم لكل رئيس عربي كانت تقوم ضده ثورة أو انقلاب، أيام كانت قاعدة الحكم في العالم العربي هي "القصر أو القبر". يومها، اكتفى الانقلابيون البعثيون في بغداد، في العام 1968، بقيادة أحمد حسن البكر، بنفي عارف إلى اسطنبول، إدراكاً منهم أنه لم يكن زعيماً حقيقياً، وأنه لم يصعد إلى الرئاسة إلا لكونه شقيق الرئيس عبدالسلام عارف الذي قضى في العام 1966، في حادث مروحية يُقال إنه "غامض"، وقد لا يختلف في جوهره عن حادثة المحاكمة الشكلية السريعة التي انتهت بإعدام الزعيم عبدالكريم قاسم رمياً بالرصاص في دار الإذاعة، بعد ساعات من انقلاب البعثيين عليه في العام 1963.
صدام حسين كان يدرك قاعدة "القصر أو القبر" جيداً. وربما يفسر هذا، ولو جزئياً، مشهد ثباته الأسطوري أمام المشنقة، لأنه عرف دائماً أنه سيُقتل لو انتهى حكمه، سواء بثورة أو انقلاب أو احتلال أجنبي، حتى إنه في جلسات محاكمته كان يطلب الإعدام رمياً بالرصاص، لا شنقاً، معتبراً أن مسألة الإعدام حاصلة لا محالة!
في "الربيع العربي"، قامت ثورات لم تأخذ تماماً بقاعدة "القصر أو القبر"، باستثناء الثورة الليبية. ويبدو أن فكرة الثورة على الاستبداد تستتبع السعي إلى العدل، حتى مع المستبد السابق، من خلال محاكمته محاكمة يُراد أن تكون عادلة. وحتى القذافي نفسه وجد بين الحكام الجدد من يرفض قتله بالطريقة التي وقعت، ويطلب التحقيق فيها ومعاقبة فاعليها، لأنها لا تتناسب وليبيا الجديدة، بل والعالم العربي الجديد.
في هذا المشهد، تبدو الثورة المصرية الأكثر ارتباكاً من الوجهة التاريخية. إذ لو منع الحكم الجديد رجال النظام السابق من مزاولة السياسة، ومنعهم من ثم من خوض انتخابات الرئاسة، أخذاً بفكرة "الخروج من القصر" ولكن بدون قتل وقبر، لما حصل كل هذا الذي يحصل اليوم، وبات يتهدد مكاسب الثورة، التي أهمها الانتقال من الحكم العسكري إلى المدني على قاعدة تداول السلطة، وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة.
لو أن أحمد شفيق مُنع من الترشح، لانحصرت المنافسة بين مرشح الإخوان ومرشح التيار المدني. وساعتها، كان يمكن لنتيجة الانتخابات الرئاسية أن تكون ممثلة لإرادة الناخبين فعلاً، بدون أن يضطر جزء منهم إلى المفاضلة بين السيئ والأسوأ، ويختاروا التصويت لمرشح لا يريدونه نكاية بمرشح آخر يرفضونه تماماً، وهو أمر حصل بالنسبة لكل من مرسي وشفيق. ساعتها، لو فاز مرشح الإخوان نفسه، فإن شرعيته لن تكون محل سؤال، ولن يجد كل هذه المناكفة التي يجدها من أناس انتخبوه، ولا يريدونه رئيساً!
الثورة المصرية، بهذا الارتباك الذي تسببت به عقلانية الثورات الجديدة، الرافضة لمبدأ "القصر أو القبر"، والحالمة بأن يعود الرئيس المخلوع إلى "صفوف الجماهير"! تهدر كثيراً من الوقت والجهد الذي كان يمكن توفيره ليس على مصر وحسب، بل على العالم العربي كله الذي يتأثر بالضرورة بكل ما يحدث في مصر. فثمة اليوم حاجة إلى قضاء أربع سنوات، وهذه أقل الخسائر المنتظرة، قبل أن تستقيم الثورة على سكّتها، وتنطلق مسيرة بناء الدولة الجديدة التي لا مناكفات فيها، ولا مصادرة لها من أحد.
أما ما هو أكثر من تلك الخسارة الزمنية، فهو أن يعود الجيش إلى السلطة لوقف هذه المناكفات السياسية التي عطّلت البلد، وباتت تهدد الاقتصاد والتنمية، بل وتهدد المكتسبات القائمة واقعياً. وفي تلك العودة إلى حكم العسكر التي بات ثمة من ينادي بها في مصر، خسارة فادحة لكل طموحات الثورة في بناء دولة ديمقراطية مزدهرة لكل أبنائها، وعودة إلى الوراء، لا تقل سوءاً عن العودة إلى قاعدة "القصر أو القبر"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد