- سيدي، هل قدّمت استقالتك فعلاً؟
- لا.
- إذن، فأنت رئيسي.
دار هذا الحوار القصير بين الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، وحارس الزنزانة التي أودع فيها بعد انقلاب عسكري ضده، مدعوم من الولايات المتحدة، نفذّه قادة في الجيش الفنزويلي العام 2002، مدّعين أنه استقال من منصبه، ليحاولوا امتصاص غضب الشعب على فعلتهم.
فشل الانقلاب يومها، وعاد تشافيز إلى قصر الرئاسة منصوراً بمحبة الشعب ودعم الجيش، وبقي هناك حتى وفاته قبل أيام. هكذا، لم يكن تشافيز مستبداً ولا طاغية، بل كان رئيساً منتخباً فعلاً، في انتخابات حقيقية فعلاً، وحكم بإرادة شعبه ودعمه فعلاً؛ وهو الذي كان حاول الوصول إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، فشل في العام 1992، قبل أن ينجح مراراً منذ العام 1998 من خلال صندوق الاقتراع.
لا ريب أن تشافيز، إذن، يمثل بطلاً قومياً عظيماً في بلاده. إنه يماثل فكرة "المنقذ المخلّص" الذي تحلم به الشعوب المقهورة. وربما لهذا السبب ظل تشافيز لسنوات طويلة بطلاً في أعين شعوب مقهورة كثيرة، منها الشعوب العربية التي رأت فيه "عبدالناصر"؛ إنما ناجحاً وظافراً وقادراً على الانتصار. 
كان تشافيز بمثابة أسطورة في زمن انكسرت فيه أحلامنا نحن العرب، بعد متوالية من الهزائم العسكرية والسياسية تلقيناها على مدار ثلاثين سنة؛ منذ "حزيران" حتى "عناقيد الغضب" (1967-1996).
ما الذي تغيّر إذن ليجاهر كثير من العرب اليوم بأنهم لا يرون في تشافيز نموذجاً جميلاً للحكم والسلطة، يشبه أحلامهم؛ بل مجرد "حاكم فرد" كالذين نعرفهم في بلادنا وتاريخنا المعاصر؟
إن في ذلك مؤشرا على تغيّر جذري أصاب "صورة البطل" في مخيلتنا، عقب ثورات الربيع العربي التي اكتشفت فيها شعوبنا أن خلاصها يمكن أن يتحقق بدون قائد بطل، بخاصة أن المخلّص البطل ظل أبداً يتحول إلى دكتاتور؛ فيمكث في السلطة حتى يموت، ويمارسها بتسلط وشمولية باعتباره "قائدا ملهما"، وقد يورثها لأحد أبنائه، فـ"السلطة مفسدة"، حتى للأبطال!
في ظل تغيّر نظري جذري كهذا، لم يعد ممكناً ممارسة السلطة في العالم العربي على طريقة "البطل"، حتى بعد الفوز في انتخابات رئاسية. هذا بالضبط هو المقتل في ما يفعله الإخوان المسلمون في مصر على وجه الخصوص، وما يفعله أنصارهم الذين يرون في وصولهم إلى السلطة تحقيقاً لأحلامهم الأولى بإقامة "حكم إسلامي". فالذي يصل السلطة بالانتخابات، لا يمكنه أن يمارسها باعتباره حاكماً مطلقاً، لأن الانتخابات ليست إلا تفويضا شعبيا مؤقتا، لا يتيح إقامة الإمبراطوريات التي يحلم بها المؤدلجون، ويرون فيها نجاح الأمة وفلاحها.
أما مصدر الخلل بين الأحلام الأولى في إقامة الحكم الإسلامي الأثير، الذي يعيد للأمة أمجادها التي قرأناها في كتب التاريخ، وبين ما يجري على أرض الواقع، فهو أن "الأحلام الأولى" لم تكن تتصور أبداً بلوغ السلطة من خلال انتخابات وصندوق اقتراع، وإنما على طريقة أحلام تشافيز الأولى في بلوغ السلطة بالقوة، والتمكّن وفرض الأمر الواقع. الإخوان وصلوا السلطة عبر الانتخابات، ويريدون أن ينفذوا أحلامهم الأولى كما لو أنهم حققوها، كما حلموا بها، بالتغلّب والقوة!
بات على الأجيال العربية الجديدة التي تحلم بخير أمتها وتقدمها ونجاحها، أن تغيّر نمطية الأحلام التي عرفناها على مدار العقود الماضية، ودارت حول ظهور البطل المخلّص الذي يقودنا من الظلم والتخلف، إلى العدل واستثمار الموارد لتحقيق التحرير والاستقلال والازدهار. علينا أن نحلم بالمشاركة والحريات العامة وسيادة القانون والممارسات المؤسسية، ولا نريد أبطالاً أفراداً، ولا متاجرين بأحلامنا الأولى التي حين تنهار وتتحول إلى حطب، تورث يأساً وخراباً، كما قال محمود درويش يوماً!

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد   العلوم الاجتماعية