ليست الطرق معبدة أمام الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي. ولا يهم إن كان مرسي سيبقى عامين أو أربعة في الحكم، المهم ماذا سيفعل. 
وثمة مقاربات بين الحالتين المصرية والتركية، تجعل التحليل يذهب إلى أن إقامة دولة القانون والمواطنة أمر ليس صعبا أو مستحيلا في مصر التي انتخب لأول مرة في تاريخها رئيسا. ولعل الظروف التي واجهت رجل تركيا القوي، رجب طيب أردوغان، عشية تسنمه السلطة لا تختلف كثيرا عن تلك التي يواجهها مرسي اليوم، مع اختلافات في بعض التفاصيل. والعناوين المشتركة بين الحالتين أبرزها: الهاجس من الإسلاميين، والفساد، واستبداد ونفوذ الجيش، وغياب الرؤية الاقتصادية.
استبداد الجنرالات في مصر ليس أقل وطأة مما كان يفعله جنرالات تركيا قبل أن يضع أردوغان لهم حدا. وثمة نفوذ وشبهات فساد في المؤسسة العسكرية لكلا البلدين. والفقر كان يحصد أكثر من ثلث سكان تركيا قبيل "التجربة الأردوغانية"، بينما نسب الفقر المدقع أمام مرسي تتخطى 40 % من سكان مصر. وقد تمكنت التجربة الاقتصادية التركية من إزالة العشوائيات المتناثرة في أنقرة واسطنبول وغيرها، واستبدالها بأحياء عصرية تحفظ للمرء كرامته وحقه الطبيعي في الحياة والعيش الكريم. والمأمول من مرسي أن يزيل بالتدريج -وفق نسق مدروس لا ارتجالي- العشوائيات التي تحيط بالقاهرة، وتضم ملايين المهمشين.
في رؤيته الاقتصادية، تمكن أردوغان من أن يضع حدا للفساد المستشري قبيل تسلمه السلطة، وأن يغسل وجه تركيا بمياه البوسفور. والعام الماضي، ووسط التراجع الكبير الذي شهدته معظم الاقتصادات العالمية، تمكن الاقتصاد التركي من تسجيل نمو بنسبة 8 %، ليحل ثانيا على المستوى العالمي بعد الصين التي حققت نسبة نمو تفوق 8.5 %. وبالنسبة لمصر، فإن التقديرات تشير إلى تبخر 500 مليار دولار من ثروات وأموال منهوبة على يد نظام مبارك، وبإمكان مرسي وضع حد للفساد، لتبدأ الدولة السير عبر طريق شفافة وممهدة بغية تطبيق رؤية اقتصادية تتيح للمشاريع الضخمة أن تتوسع وتزيد تشغيل الكوادر المهنية والعمالية العاطلة عن العمل، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والإصغاء لأنين الفقراء.
وبالإمكان أيضا، وفقا لبرنامج مرسي الاقتصادي، تحقيق نمو بنسبة 7 % في غضون السنوات الأربع المقبلة، بعد أن تشيع أجواء الارتياح والثقة في الداخل المصري، كما في علاقة الدولة بالخارج. ولدى الدولة المصرية الصاعدة الفرصة لخفض التضخم من 8.8 % حالياً إلى أقل من 3.5 %، وتخفيض البطالة من 13 % إلى 7 %، إضافة إلى تنفيذ التعهدات الخاصة بخفض المديونية بنسبة 15 % سنويا، وتقليص عجز الموازنة إلى ما دون 6 % من الناتج المحلي الإجمالي.
قد يقول قائل إنها آمال وأحلام، لكن الأمر ليس كذلك بالمنطق والعقل. فالدهشة التي أبداها صندوق النقد الدولي مؤخرا من حجم فساد مبارك وعصابته المقربة، تؤكد أن النهب والفساد واستباحة مقدرات الدولة وانعدام الرؤية الاقتصادية لدى النخب الفاسدة كانت تقف وراء حالة الفشل المستمر وهوان الشعوب، وأن نخبا حازمة في تقييد الفساد، وتقديم رؤية اقتصادية إصلاحية قابلة للتنفيذ، ستمهد الطريق لمستقبل متصل بالإنجاز. 
كما نجح أردوغان في غسل وجه تركيا بمياه البوسفور، ووضع الاقتصاد التركي في المرتبة 16 عالميا والسادسة أوروبيا، فعلى الرئيس المنتخب مرسي أن يستفيد من ذكاء أردوغان في مواجهة الجنرالات بدهاء سياسي وخطة محكمة وتخطيهم، وصولا إلى تحقيق الرؤية الإصلاحية في السياسة والاقتصاد والمجتمع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  حسن احمد الشوبكي