تمر أعداد من البشر بتغييرات فكرية خلال أعمارهم، مع انتقالهم من مرحلة زمنية إلى أخرى، ومن تجربة عملية إلى غيرها، ومع تراكم خبراتهم وتنوع معارفهم، ومن ثم تبدّل قناعاتهم ووجهات نظرهم تجاه الحياة وما فيها. وعادة ما تبرز هذه التبدّلات بين المشاهير والنشطاء؛ فكم من مفكر انتقل من الماركسية في شبابه إلى التديّن السلفي في شيخوخته، أو العكس، وكم من مناضل انتقل من أحلامه الاشتراكية في أول النضال، إلى يمينية منغلقة على الذات ومصالحها حين تقدم به العمر والمنصب والتأثير!
وسوى هؤلاء المشاهير والنشطاء، فإن بشراً عاديين –أمثالنا- قد يمرون بمثل هذه التحولات الفكرية والنظرية، مع اتساع اطّلاعهم المعرفي أو احتكاكهم بغيرهم ممن يتبنون الآراء التي يخالفونها؛ فيستمعون إلى تلك الآراء من أصحابها، ويناقشوهم فيها، بدل أن يسمعوا عنها وعنهم. وهكذا، ربما يجدون فيها شيئاً من الصحة والوجاهة تدفعهم إلى تعديل قناعتهم الخاصة، والتحرك قليلاً من الانغلاق الفكري ورفض الآخر وإدانة أفكاره، إلى تقبّله وموافقة بعض آرائه، وربما كلها، ما يترك فيهم تغييرات فكرية ونفسية عميقة، تنعكس في مواقفهم فضلاً عن شخصياتهم.
أكثر من ذلك، فإن تجارب ذاتية قد تدفع المرء إلى تغيير قناعاته، حين يختبر بها ما كان يجهله، فيعرفه على حقيقته بدل أن يكتفي بالانطباعات المتولدة من أقوال الناس والأحكام العامة التي تصدرها ثقافة "المجتمع" على الأشياء والمواقف والأفكار. وينبني على ذلك أن تتبدل أفكار المرء وسلوكه مع محيطه، حتى يقول الناس عنه إنه لم يعد هو، ويقول هو عن نفسه إنه فقد ذاته التي كان يعرفها!
وعادة ما ترفض البيئات المنغلقة مثل تلك التبدّلات، وتعتبرها انحرافاً عن الطريق القويمة أو اهتداءً إليها، بحسب ماهية المنظومة القيمية السائدة فيها، وماهية مرجعياتها النظرية. هكذا كان انتقال مصطفى محمود، مثلاً، من الماركسية إلى التديّن بمثابة الهداية بالنسبة لكثيرين في مجتمعاتنا التي تغلب عليها ثقافة التدّين، وهكذا سيكون الموقف من الأفراد الذين ينحون إلى التديّن مع تقدمهم في العمر؛ إذ تحتفي مجتمعاتنا باهتدائهم. وسيكون عكس ذلك تماماً مع الأفراد الذين يصرّحون بمخالفة ما هو سائد من فهم وتقاليد وأفكار عامة في مجتمعاتنا، مع اتساع اطّلاعهم وتجاربهم؛ إذ سيُنظر إليهم كأنهم ضلوا وتاهوا في هذه الدنيا عن طريق الصواب!
ولا بد أن نستعيد هنا شيئاً من مقولات هشام شرابي عن النظام الأبوي في مجتمعاتنا، وثنائيته "العادة والإكراه" التي تسعي إلى تنميط الأفراد في منظومة قيمية وسلوكية واحدة، وتدين من يرفضها أو يعدّل عليها؛ فلا مجال لديها للاختلاف وحرية الرأي، ولا ضرورة عندها لأن يكتشف الواحد الحقيقة بنفسه، فالحقيقة هي ما تركه الأجداد، وما يقرره أهل الحل والعقد من كبار القوم ورجال الدين وأصحاب النفوذ. وعلى هذا، فإن الانتقال من وعي إلى وعي في البيئات المنغلقة التي لا تعترف بالاختلاف والتعدد والحرية، يجري التعامل معه بتطرف، سواء بإدانته باعتباره تيهاً عن الحقيقة، أو بالاحتفاء به باعتباره اهتداءً إلى الطريق القويمة.
عليك أن تتبنى وجهة النظر السائدة كي تكون مقبولاً. وعليك أن لا تبدي استغرابك أو تشكيكك في أي من الأعراف المعمول بها كي تكون طبيعياً. فإذا تجرأت وفعلت، يمكنك أن تتوقع إدانات ربما تصل إلى التكفير لو تعلق الأمر بآراء دينية تناقش فيها ما هو سائد بين الناس من أفكار تعلموها صغاراً في المدارس، فحفظوها وواصلوا ترديدها؛ وربما تصل إلى التشهير لو تعلقت بآراء اجتماعية تعدّل فيها ما هو متفق عليه في العلن من عادات وتقاليد وقيم، حتى وإن كان الناس في سرّهم يتأففون من ذاك المتفق عليه في العلن. وبين التكفير والتشهير، يظل على المرء أن يتصالح مع ذاته إن كان يروم الحقيقة التي يُقال إنها ستبقى "نسبيّة" في هذه الدنيا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد