يقول "غوغل" إن "سامسونج"، الشركة الكورية الجنوبية ذائعة الصيت، جرى إنشاؤها كشركة للتجارة في العام 1950، على يد "بيونج شول لي". ثم توسعت بعد ذلك في صناعات عديدة، مثل البتروكيماويات وشرائح ذاكرة الكمبيوتر، حتى باتت حالياً شركة إلكترونيات عملاقة، يعمل فيها نحو ثلاثمائة ألف موظف، وتقدّر عائداتها السنوية بعشرات، وربما مئات مليارات الدولارات. وأستطيع أن أضيف إلى "غوغل" أن "سامسونج"، التي تعني بالعربية "ثلاث نجمات"، بحسب ما قال لنا أستاذ اللغة الكورية في حصة ترحيبية حضرتها أثناء زيارتي إلى سيئول العام الماضي، تمثل أكثر من ذلك بكثير: إنها تقدم الشرق المذهل، حتى لحق بالغرب ونافسه في عقر داره!
هل كان يخطر في بال الرعاية الأميركية لكوريا الجنوبية، عقب انتهاء الحرب الكورية في العام 1953، والتي أثمرت دعماً صينياً وسوفيتياً لكوريا الشمالية، وأميركياً وغربياً لكوريا الجنوبية، أن نمو الاقتصاد الكوري الجنوبي سيقود إلى أن تناطح شركة إلكترونيات كورية، هي "سامسونج"، شركة إلكترونيات أميركية هي أبل، وتتفوق عليها في حجم المبيعات، وربما في جودة المنتجات، حتى تضطر الأخيرة إلى مقاضاتها في المحاكم؟! بالطبع لا. وهذا معناه أن النجاح الصناعي الكوري، في الإلكترونيات والسيارات وغيرها، إنما يمثل نجاحاً وطنياً خالصاً، لأنه تحقق من خلال إدارة وطنية حصيفة للعلاقات مع الجهات الراعية، استفادت منها كثيراً ولم تتوقف عندها؛ فكان ثمة "خطة وطنية طموحة" و"إدارة وطنية عاقلة"، فكيف لا ينتهي ذلك إلى نجاح وطني مبهر؟!
سيئول اليوم هي "درّة الشرق"؛ ليس لأنها أكثر تطوراً من طوكيو أو حتى من بكين، فهي ليست كذلك، ولكن لأنها صنعت هذه المعجزة الصناعية بطاقات وخبرات أقل كثيراً من تلك التي لدى اليابان، وبإمكانات أقل طبعاً من التي لدى القارّة الصينية التي ظلت حتى قبل نحو 35 عاماً فقط رهينة استبداد "ماو"، ومحدودية أفق مشروعه الوطني. وإذا كانت سيئول كذلك، فإن "سامسونج" تحديداً، وبدون شك، هي درّة نجاح الشرق صناعياً، لأنها الأكثر مقارعة للمنتجات الغربية، وفق طريقة القياس نفسها التي تعكس انخفاض إمكانات كوريا الجنوبية مقارنة باليابان والصين.
كل واحد منا يمكنه أن يلمس هذه المسألة إذا ما تعامل مع هاتف سامسونج متطوّر، أو شاشة سامسونج حديثة، أو غيرها من المنتجات التي باتت تتفوق على منتجات الشركات الغربية، ثم قارنها مع منتجات "سامسونج" قبل نحو عشر سنوات، وكانت وقتها أقل تطوراً بكثير من المنتجات الأميركية أو الأوروبية.
هذا الذهول تجاه "سامسونج" لا بد أن نستنتج منه أن دولنا، محدودة الإمكانات، يمكنها أن تنجح اقتصادياً إذا ما "وضعت عقلها في رأسها"، وعملت بجد واجتهاد وتركيز وتصميم، انطلاقاً من مناهج تعليمية عميقة في المدارس، تجمع العلوم بالفلسفة؛ وبرامج تربوية مفيدة في الحياة العامة، تعتني بالسلوك اليومي للأفراد، وتوحد مجتمعاتها على أساس احترام التنوع والتعدد واعتباره مصدر غنى لا منبع صراع، في إطار من التخطيط الحكيم، والتنفيذ الذكي، اللذين تديرهما عقلية وطنية قادرة ومبصرة، تستثمر اللحظات التاريخية الصالحة.
ثمة دروس عديدة في الشرق اليوم: في الصين، هناك نجاح على أساس خطة وطنية تستثمر الموارد المتوافرة؛ وفي كوريا الجنوبية، هناك نجاح على أساس خطة وطنية تستثمر العلاقات الإيجابية مع العالم المتطوّر وتبني عليها حتى تصنع لنفسها خصوصية وتفوقاً؛ وغير ذلك من الدروس الكثيرة في اليابان وسنغافورة وماليزيا وغيرها.
لكل درسه إذن، ولن ندخل التاريخ من جديد حتى يكون لنا درسنا الذي نصنعه، فيصنعنا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد