لم يكن تعيين الشريف فارس شرف رئيسا للوحدة الاستثمارية لأموال الضمان الاجتماعي قفزة في الهواء أواخر العام 2008، عندما اشتدت الخطوب، ودخل خط الأزمة المالية العالمية على كل مصرف وصندوق وسوق، بل وبيت. ورغم حدة الإعصار، تحركت استثمارات الوحدة على نحو مستقر. ولم تسمح الإدارة الحصيفة بقيادة شرف بالمساس بهذه المدخرات بدعوى تغطية شح السيولة الذي كان شبح الأزمة المتواجد في كل دولة.
شرف الذي لم التقه يوما في حياتي، يؤمن بأن حل مشاكل الشركات يجب أن لا يكون على حساب الأردنيين. وقالها بالحرف ذات مواجهة: "أموال الضمان خط أحمر، لا يجوز التعدي عليها واستخدامها إلا لمصلحة الأردنيين وليس لمصلحة الشركات"، بينما درج الأسلوب في السابق على أن بيد "الضمان" حل مشاكل وأزمات فشل المشاريع والشركات الكبيرة، وحتى انهيارات أسعار الأسهم في البورصة.
وبموجب هذا الوعي الذي يمثل قوة وغيابا للارتخاء والاستسهال في منهج إدارة تلك الأموال، مضى شرف قويا واثقا وشجاعا. وأسهمت تلك الثقة المبنية على الحرص والحزم، في وصولنا اليوم إلى موجودات تتخطى 5.5 مليار دينار للوحدة الاستثمارية. وفي ظني أن غياب قيادي اقتصادي نزيه مثل شرف عن تلك السنوات العجاف التي استمرت من العام 2008 إلى أواخر 2010، وهي فترة قيادته للوحدة، كان سيقود إلى كارثة مالية محققة لمدخراتنا الوطنية والشعبية.
غير أن بلادنا تكافئ رجالها الواثقين بمزيد من الاختبارات التي تدفعهم إلى التلويح باستقالاتهم صباح مساء. وليس خافيا المواجهة المتدحرجة التي حدثت بين رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي وبين شرف صيف العام 2010 بخصوص بيع حصة "الضمان" في بنك الاسكان لصالح مستثمر خليجي. وقد قال شرف "لا" في وجه التدخل الحكومي المزمن في أموال "الضمان".
بعدها انطلق الرجل إلى ملف أكثر حدة وصعوبة هو البنك المركزي. ولم يمض عاما فيه حتى دفع إلى الاستقالة، بعد أن وضع حدا قانونيا، بموجب صلاحياته كمحافظ للبنك، لتجاوزات ينفذها "رجال أعمال" يملكون نفوذا خارقا في الدولة.
مثل شرف، كان لدينا في سنوات مضت مسؤولون نفاخر بهم، ومنهم القيادي الاقتصادي إياد القضاة الذي أقصي عن إدارة الضريبة بسبب لاءات متكررة في وجه مسؤولين أعلى منه منصبا.
الارتجال والتعيينات الاسترضائية، وتلك التي تنطوي على توريث مكشوف، لا تشغل بال المواطن عندما تكون في دوائر هامشية -وما أكثرها- ليست ذات صلة بالخزينة ومدخرات الأردنيين. أما في دوائر ومؤسسات مثل الضريبة والضمان وأمواله وغيرهما، فالمسألة يجب أن لا تكون عرضة للمناطقية أو لنفوذ هذا المسؤول أو ذاك. كما أن حناجر الأردنيين بحت خلال الأشهر العشرين الماضية من أجل مستقبل أفضل لأطفالهم، لا من أجل أن يزيد قلقهم كلما اتخذت الحكومة قرارا بتعيين أحدهم.
مئات المسؤولين الرجال والشجعان والمؤهلين في عقود الخمسينيات وما بعدها تمتلئ بهم الذاكرة الجمعية للأردنيين. وفي سنوات قريبة خلت، هنالك من شكل أيضا علامة فارقة في الرجولة والشجاعة والكفاءة والدفاع عن المال العام. ويبدو أن الدولة كلما أمعنت في التطرف والغلو، أتت بمن يطيع ويبيع ولم يقل كلمة "لا" في حياته، إلا في التشهد؛ هذا إن كان على علاقة طيبة بالسماء.

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

ammanxchange.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب