بعد غيبة ما لا يقل عن ثلاثة أشهر، عادت حليمة تزور قريتها كما اعتادت ..وكما يقول المثل "عادت حليمة لعادتها القديمة".. فوجدت الحال غير الحال.. الناس متجهمون، والحزن يعم ،والغضب يملأ النفوس.. خير ان شاء الله ..ماذا جرى؟.
توفي ابن المختار..لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..رحمة الله  عليه.. يا خسارة الشاب المحترم.. أعان الله والديه على هذه المصيبة والفاجعة الجلل.
لا بد من تأدية واجبات العزاء..
ارتدت ما يتناسب والمناسبة الحزينة وتوجهت الى البيت، قرعت الجرس، ففتحت الباب شابة ترتدي عباءة سوداء، وتضع فوق رأسها منديلا أسود، وتلبس بقدميها حذاء أسود أيضا .. جلست في الصالون الواسع، ثم جاءت أخرى على هيئة سابقتها تقدم القهوة والتمور، وتبعتها ثالثة تقدم المحارم، ورابعه ترتـّـب المكان، وخامسة تواسي الأم المكلومة، والسادسة الصغرى  ظهر عليها التأهب والإنصات لكل ما يجري من حديث..خيل لحليمة أن أذنيها لواقط تكاد تخرج من تحت منديلها الأسود الفاحم ..تهم بالوقوف كلما سمعت باب الغرفة يتحرك.. وتقتحم الحديث بلا مقدمات.. تشارك الضيوف الثناء بتوسع على الفقيد وتتذكر مآثره..تبكي بكاء شديدا، تلطم خدّها ،وتستعمل المحرمة وراء الأخرى.. فطر حزنها قلب المعزية، فاعتقدتها دفنت حبيبا غاليا أو صديقا مقربا. في الجانب الآخر جلست والدة المتوفى وشقيقاته الأربع، يبكين بهدوء، صامتات لا ينبسن ببنت شفه، شيء ما لفت نظرحليمة، هي سمعت صوت الشابات قبل ذلك.. لم تتبين أين..فالنساء في حياتها كثيرات..ما بين طالبات ومدرّسات وعاملات وأمهات.. إستفسرت عن سبب الوفاة لشاب قوي البنية رياضي صغير السن ..فأجابتها إحداهن: "قتلوه"!
يا إلهي.. أعوذ بالله من..من؟..ردت حليمة بلهفة.
أولاد الحرام.. أجابت ميركا.
سمعت أن المرحوم كان حسن الخلق دمث ومسالم .. لا أعداء له..أضافت حليمة.
فردت الثالثة:
هذا ما اعتقدناه ولكن ثبت العكس..فلديه أعداء وحاسدين كثر..
أخذت الصغرى تزيد من نحيبها وشغنفتها ولطم خدها.
استوقفت الإجابة حليمة فسألت:
من تكونين حضرتك..هل أنت شقيقته؟.
تلعثمت المحدثة واستدركت وردت:
 لا.. انا رُميمة بنت جيرانهم، وهؤلاء أخواتي، بـُـقيرة ، مُجينة، قــُـبيرة، فـُـجيرة وأصغرنا لــُـطيمة..
استغربت أسماءهن، وازعجتها معانيها..رميمة وقبيرة ومجينة وتلك اللطيمة..إسمها معها..يااااااع أعوذ بالله .. ما الذي يدفع بأهل لتسمية بناتهم أسماء منفرة..تشاءمت لكنها ردت بأدب:
أهلا وسهلا ما شاء الله .. ثم أردفت " هل تم تشريح الجثة".
لا لزوم ..هم قتلوه..عائلة المغاوير.. ردت رميمة.
ظهرت على المرأة حماسة شديدة وهي تتحدث عن الجريمة الغائبة، ومن قام بها، وضرورة أن يدفع الثمن. وأن الثأر لا يموت، ولا يجوز للعائلة أن تهدأ حتى تأخذ بثأرها، لأن الشاب عزيز عليهم، ولا يجوز أن يذهب دمه هدرا، ولم يكن من الحكمة دفنه سريعا قبل الإقتصاص من القاتل..والجريمة واضحة كالشمس..
تحريض وضغط وتشجيع على أخذ الثأر وكلام يقصم الظهر.. ولطيمة تزيد وتزيد ما تقوم به لقاء حرقتها وحسرتها على الفقيد.
أسئلة حليمة الكثيرة ومحاولاتها إثارة القضية نغـّـصت رميمة وأخواتها ..فطلبن منها السكوت ومراعاة الفاجعة وعدم سكب الزيت على النار .. أغلقت عليها بقيرة باب التأويل..لكن حليمة الكثيرة الغلبة عادت تسأل:
كيف عرفتم..هل شاهدهم أحد..؟هل اعترفوا؟ هل جرى تحقيق ..هل سبق وهددّوه..هل ظهر على جسده أثر لاعتداء.
 
كلا..كلا..كلا.
 
 دون معرفة القاتل أو سبب الوفاة، شعرت حليمة أن المسألة ستتطور لما هو أكثر ويقتل أهل القرية أحدهم الآخر..فتذهب خيرة الأبناء ما بين قتيل وجريح وهارب ..سألت عن المختار فقيل لها انه معتكف منذ الحادثة وأنه لا يكلم أحدا..لا بد من التحدث إليه وبحث الموضوع قبل أن تقع الفاس بالراس وتغرق القرية في بحر من الدماء..حيل بينها وبينه، فسلّمت وخرجت تدور في رأسها مئات الأسئلة التي لا تجد إجابات..صوت الشابات أشغلها..تحاول تذكر متى وأين سمعته.
 
في البقالة أول الشارع، وجدت بعض المواطنين؛ سألت واستفسرت وناقشت لكن الجميع مقتنع ان المتوفى قضى مقتولا..يا جماعة لا أثر لطلق ناري ولا لسكين ولا لبلطة ولا لضربة على الرأس أو الرقبة من أين جاءت هذه القناعة، ولماذا استسلم الجميع لهذا الإستنتاج رغم نفي المغاويرأي علاقة لهم بالجريمة، ورغم  فقدان أي دليل!.
 
صدر الحكم سريعا بجلاء المغاوير حرصا على سلامة القرية بعد ان وصل التوترمداه ..رفضوا الحكم والجلاء عن أراضيهم وأصروا على براءتهم وعلى القيام بتحقيق مستقل ونزيه، وعدم الرضوخ او تقبل التهمة لأن هذا سيفتح باب جهنم على الجميع ..وحدها حليمة وقفت معهم وساندتهم في مطلبهم..لكن صوتها لم يُسمع فليست من أهل القرية ولا من أهل القتيل ولا القاتل ولتسكت أحسن لها وإلا تعرضت للإجلاء هي الأخرى.
 
مستحيل.. مستحيل، فإن تكلمت تعرضت للإضطهاد .. وإن تدخلت لا تعرف النهاية، وان هي صمتت احترقت القرية بأسرها..والله يُستر..عادت أدراجها الى المدينة..اتصلت ببعض أصدقائها  من المحامين وذوي الخبرة فقيل لها ان القضية أغلقت وأن الحكم صدر ..ولكن يا جماعة هناك تبعات..تبعات سيدفعها كثيرون..لم يسمعها أحد وبقيت قناعتها تشغل رأسها وحدها.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات