سافر راغب بعد أيام العزاء، وبقيت رحاب وسلمى حيث اتفقتا على التنازل عن حصصهن لحليمة. " حليمة يا رحاب قامت بعمل عظيم ..تحملت وضع والدنا ومرضه..تطعمه وتأخذه للأطباء والمستشفايات ..وتعطيه الأدوية وتقوم على رعايته..والدتنا، سيدة مسنة لم يكن باستطاعتها القيام بأي جهد لولا حليمة.." " نعم هي تستحق كل تقدير، بعد ان عجز عن الحركة، نقلت سريرها إلى غرفة نومه لتكون معه في كل دقيقة.."
" كانت تعود من دوامها لتعد الطعام وتعطي الدواء وتغير الملابس والملاءات .."
" تقص أظافره وتعد له الحمام وتحضر الحلاق كل أسبوع ليقص شعره.."
" تحمله على الكرسي المتحرك وأخذه في نزهة خارج غرفة يومه.."
" تقرأ له الأخبار من الصحف.."
" تأتي له بالأصدقاء لزيارته، وتستقبلهم برحابة صدر كل يوم جمعة.."
" توصله بنا وبأبنائنا ليتكلم معنا ويطمئن علينا.."
" تشتري له الهدايا التي يحبها والعطورات التي يريد.."
" عشنا في بيوتنا مطمئنات مرتاحات بينما حليمة تقدم وتضحي بصمت.."
" قررت يا رحاب أن أتنازل لها عن حصتي بالأرث .."
" وانا أيضا.."
" لا تنسي أنها الآن ستقوم بنفس الدور لوالدتنا.."
" أعانها الله.
لم تعش الأم سوى بضعة أسابيع بعد وفاة الأب..وبقيت حليمة وحدها.
تعتقد حليمة أن الموضوع لم يرق لراغب، وأنه بالتأكيد نكد عيش رحاب عندما علم..وجاء الوقت الذي يكشفه.طماع..طماع..على العموم، الحمد لله تمت الأمورعلى خير.. ولم تلتفت رحاب لرغبته الإستيلاء على إرثها..يجب أن تحذره، فالرجل ليس سهلا..
 
هذا الموضوع، أشعر حليمة بضيق شديد، وفقدان الأمل، تغيرت نظرتها وباتت حزينة ..تشعر بالوحدة والفراغ ..كانت أيامها إلى وقت قريب، مليئة بالمسرات، والحكايات، والإنشغالات بأمور طالباتها وصديقات الجبل، لكنها اليوم تخشى مستقبل شقيقتها مع هذا الرجل.
 
في أحد صباحات يوم جمعة، وبعد أن تناولت طعام الإفطار، وجلست تقرأ الجريدة؛ قرع الجرس ..خير اللهم اجعله خير..من الزائر في مثل هذا الوقت.. لبست روبها، فتحت الباب ..نظرت، لوهلة خيل لها أنها لا تعرف الرجل..لكنها فجاة صرخت، إسماعيل، إسماعيل ما الذي جاء بك ؟؟.
إسماعيل، ظهر فجأة..عاد من الغربة، ليتفقد حبه القديم الذي أدار له ظهره منذ زمن.. أخرجت كرسيين وجلسا في الحديقة، وبدأ يسرد قصته.. ذهب إلى روما وتعلم الرسم ..توفي والده فكوّشت زوجته على كل شيء..عاد إلى البلاد ويعمل في إحدى كليات الفنون..
وفرّ مبلغا من المال اشترى به شقة ..ويعيش فيها..يرسم ويبيع لوحاته ويعلّم تلاميذه الفن على أصوله..يتحدث..ويتحدث وحليمة التي أخذتها المفاجأة تبدو ساهمة هائمة لا تسمع الكثير.
 
لم يخطر على بالها أي سؤال، فقد كانت المفاجأة، التي جاءت في وقتها أكبر من الأسئلة، رغم الهجر والبعد، فما زال إسماعيل في نظرها، كما كان قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما. لكنها لن تبكي ولن تضعف فما يدريها ..الأيام تغير البشر..بعد حكايتها مع راغب، فقدت بعض الثقة في الناس فلم تصارح ضيفها بالكثير..بعد ما يقرب من الساعة استأذن ..على أمل استمرار التواصل.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات