ما أن شاهدت ناهد المديرة، حتى أدارت وجهها وهمت بالهرب فحالت بينها والباب..أمسكتها بقوة وأجلستها إلى جوارها ..
لماذا هربت من البيت ؟
لا أجابة.. استمرت بالسؤال لماذا هربت من البيت؟ لا إجابات، لماذا هربت من البيت؟ لماذا هربت من البيت ومع مَن؟ ومع إصرارها، إنهارت الفتاة وأخذت تبكي وتتوسل عدم إعادتها لأهلها ..هدأتها ..مسحت دموعها وضمت رأسها إلى صدرها..
والدي يريدني من العشرة الأوائل مثله هو..
أنت فتاة مجتهدة وما شاء الله عنك..
لم أعد قادرة على الدراسة ..والأوراق أمام عيني تتحول سوداء ..ومسائل الرياضيات مجرد أرقام فوق بعضها البعض..كل شيء يختلط مع بعض..
لماذا لم تخبري أمك؟؟
أمي مشغولة..في الصباح في دوامها في المدرسة، وبعد الظهر تتركني مع أخوتي وتذهب إلى  النادي الرياضي ومع المغرب تنشغل بالذهاب إلى الجمعية..لا وقت لديها..
ومنذ متى وانت على هذه الحال؟
منذ هددني والدي إن لم أحصل على معدل عالي يؤهلني دخول جامعة رسيمة، فسأجلس خدامة في البيت ويزوجني لأول طارق بابنا..
وهل صدقت هذا الكلام..هو فقط يحاول أن يحثك على الدراسة ..لا أكثر..
أعرف والدي عند كلمته وليس مستغربا أن ينفذ كلامه..
بكت ناهد وأخبرت مديرتها أنها كانت تنوي الإنتحار، لولا أنها علمت أنه حرام وسيدخلها النار، وفضلت الهرب..وكانت منذ مدة سمعت عن السيدة فوزية التي تعيش وحدها دون زوج أو أولاد وفكرت أن تأتي لتعيش معها.
 
مقعول..معقول، أن يصدر كلام وتهديد كهذا، من رجل متعلم، مثقف، يعلـّـم الشباب في جامعة مرموقة..(والله هو ناقصة تربية) ..كيف يفكر بهذه الطريقة وهو يعلم ان إمتحانات الثانوية، تشكل عنصر ضغط على أعصاب الطلاب ،حتى بدون تهديد ووعيد.
 
وصلت والدة ناهد سريعا إلى العنوان، ويبدو أن مشاعر القلق والخوف التي ملأت قلبها، جعلتها غاضبة، عصبية، تتصرف بلا وعي، تصرخ بابنتها، تؤنبها، تشتكيها للآنسة حليمة والسيدة فوزية، ثم انتابتها نوبة بكاء وازرقّ وجهها وأخذت ترتجف، وبدت تترنح كمن توشك على الإغماء.. فأحضرت لها  السيدة فوزية كأس ماء.. شربت رشفتين وأخذت تعاتب ابنتها بهياج واضح:
ماذا فعلنا بك لتفعلي ما فعلت؟؟ وفرنا لك أحسن المدارس، أحسن المصروف، أحسن المدرسين أحسن الدوسيهات أحسن المعاهد..فما الذي دهاك؟ نحن أناس محترمين، متعلمين، لنا سمعتنا، واسمنا..أي بنت في البلد، تتمنى الحصول على ربع ما لديك..كانت ناهد صامتة تبكي بهدوء..
 ..هدأتها حليمة وسيدة البيت، وشرحتا لها الموضوع، وطمأنتاها على أن البنت بخير ..وانها لم تهرب إلى بيت غريب..وإحنا كلنا أهل ..بيتك بيتنا ولا فرق..
أنا أعيش وحدي لا زوج ولا ولد..قالت السيدة فوزية.
والله نحن آسفين على إزعاجك..ردت والدة ناهد.
لا إزعاج ولاشيْ..الحمد لله جاءت على خير. قالت فوزية.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات