الست الساحرات:
 
تملك حليمة في سفح جبل شاهق، في إحدى قرى العاصمة منزلا ريفيا صغيرا. حليمة، ذات الخمسين عاما، مديرة مدرسة ثانوية للبنات؛ خريجة جامعة مرموقة؛ متفانية في عملها، محترمة وذات سمعة طيبة؛ لم تتزوج ممن أحبت، رغم انتظارها الطويل، لعدم رغبته بالزواج، و لاستمتاعها بعملها ورفضها التخلي عن والديها بعد زواج شقيقتيها الأصغر منها، رحاب وسلمى ومغادرة البلاد الى حيث يسكن الأزواج.. فتدحرجت سنوات العمر.
 
بعد أن رحل الوالدان إلى مثواهما الأخير، تنازلت الأختان عن حصتيهما في الأرث لحليمة لقاء 
عنايتها بهما أثناء حياتهما وما عانياه من شيخوخة وأمراض ووحدة .. من ضمن الإرث، المنزل الريفي.. أجمل الأماكن في نظرها، تذهب إليه في العطلة الأسبوعية، طلبا للراحة، وبعض الهدوء وهربا من أصوات السيارات، وزوامير مركبات الغاز، والباعة المتجولين، ودوشة طالبات المدرسة، ومشاكل الأهالي..تملأ رئتيها بالهواء النقي  بعد ان تلوّثت المدينة ماء ًوسماءً. تمضي ليلة الجمعة ونهارها ونهار السبت، وتعود مساءً لتستعد ليوم عمل جديد .. موفقة في عملها، أمورها ميسرة، ومواعيدها منتظمة..وتمضي حياتها راضية عن كل شيء. لا تشعر بالوحدة ولا بالملل، فعملها الذي تحب، يوفر لها كل ما تتوق اليه نفسها، فالطالبات بناتها، والمدرسات أخواتها، والعاملين أهلها، كل لديه مشاكله وهمومه التي تشاركهم بها، تحل بعضها، وتعجز عن أخرى.
 
ولـّـى فصل الشتاء ببروقه ورعوده وبرده الذي يقصم الحجر. تشعر أنها بحاجة لنزهة وقد هلّ فصل الربيع وشهر نيسان /إبريل بزهوره ووروده ،والجبال من حول بيتها تزدهي بأجمل الألوان..تكسوها سجادة رائعة؛ نسجها المولى عز وجل من أصناف متعددة من الزهور البرية. تختلط ألوانها فتبعث في النفس سعادة لا تجدها في المدينة.. سبحان الله الخالق الذي أبدع  كل شيء.. ومع غلاء أسعار المحروقات انتظرت كغيرها مثل هذا اليوم..لتستمع بأشعة الشمس الدافئة مجانا. 
 
في أعلى الجبل الذي أقيم في سفحه بيت حليمه، لفت نظرها منزل صغير،لا تبدو ملامحه لكثرة ما يحيطه من أشجار الصنوبر العالية، يضاء ليلا بمصباح خفيف يوحي بوجود حياة وسكان ..ومع الوقت انشغلت الآنسة المديرة بأمره ..من يقيم فيه؟ وهل هو ساكن دائم أم حارس مراقبة الغابات؟ أم  بَُِــِنيَ لغرض ما..ما قصتة، ولماذا يبدو مهجورا تماما نهارا، ومأهولا ليلا..ومَن هذا قليل العقل الذي يبني بيتا في ذلك المكان المنقطع عن خلق الله..عندما سألت بعض أهالي القرية قوبل سؤالها باللامبالاة، فمن يهتم بأمر منزل، أو غرفة، أو مأوى في أقصى مكان من رأس الجبل..لكن حليمة تهتم؛ ولديها رغبة ملـّحة لسبر أغواره.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الست الساحرات