في يومه الأول في الوزارة، قال وزير الصناعة والتجارة الجديد شبيب عماري، إنه يعتزم "إقناع" مجلس الوزراء برفع الدعم المالي عن السلع التجارية، الذي يقدر في موازنة العام الحالي بنحو 450 مليون دينار، واستبداله بدعم نقدي مباشر لـ"مستحقيه"، وذلك من خلال "آليات مناسبة".
ومن الأمثلة التي وردت على حجم الدعم المالي المخصص لمختلف السلع، أن الكلفة الحقيقية لإنتاج كيلو الخبز تبلغ 37 قرشاً، بينما يباع في السوق بـ16 قرشاً، فيكون حجم الدعم الحكومي للكيلو الواحد من الخبز 21 قرشاً. أما أسطوانة الغاز، فتبلغ كلفتها الحقيقية 13.7 دينار، وهكذا تقدم الحكومة دعما مقداره 7.2 دينار لكل أسطوانة، بحيث تباع في السوق بـ 6.5 دينار.
والمعنى أن الخبز والغاز وغيرهما من السلع، ستباع بعد رفع الدعم بأسعار تكافئ كلفتها الحقيقية، كأن يباع كيلو الخبز بنحو 37 قرشا، وأسطوانة الغاز بنحو 14 دينارا، فيما ستلجأ الحكومة إلى إيصال الدعم، البالغة قيمته الإجمالية لهذا العام 450 مليون دينار، مباشرة للمواطنين على شكل نقود، من خلال آليات محددة، كي تعوضهم عن ارتفاع الأسعار في السوق، ما يعني وصول الدعم للمواطنين فقط، ورفعه عن غير المواطنين من مقيمين وزوّار، كون الحكومة غير مسؤولة عن دعمهم. وهنا سيتحقق وفر مالي للحكومة، من إجمالي الملايين الـ450 التي كانت تدفعها لدعم المواطنين وغير المواطنين، يمكنها حينها أن تستعملها في تنفيذ مشاريع تنموية.
الفكرة ليست جديدة، ولا مبتكرة، فقد عرفنا خلال السنوات العشرين الأخيرة عدة تطبيقات من هذا القبيل كانت تستهدف "إيصال الدعم لمستحقيه" و"التوفير على الخزينة العامة"، وفق صيغ مختلفة: ابتداءً من آلية الكوبونات، إلى آلية الصرف المالي على أساس دفتر العائلة. وكانت جميعها تنتهي إلى ارتفاع مفرط في أسعار السلع، بدون أن تحافظ آليات الدعم المباشرة الجديدة على مستوى حياة المواطنين كما هي، ناهيك عن إهدار وقت الناس وجهدهم، وربما كرامتهم، في طوابير "قبض" الدعم المالي الذي يظل في كل الحالات أقل من الزيادة التي تطرأ في مصاريف الأسر على شراء السلع، فضلا عن عدم تمكّنها من "إدارة" المبالغ المالية التي تقبضها مباشرة، كي لا تتأثر ميزانياتها فعلا، لأن المال يمكن أن ينفق ساعتها في أمور أخرى سوى الخبز والغاز والسكر والزيت، فتقع ميزانيات الأسر في ورطات حقيقية.
الجديد هذه المرة، هو "البيئة" التي تظهر فيها هذه النوايا الحكومية. إذ لجأت الحكومات منذ أواخر عهد حكومة سمير الرفاعي، أي مع منطلق "الربيع العربي" في تونس، إلى سياسة تجنب رفع الأسعار، بهدف عدم إثارة حفيظة الناس، والحيلولة دون إعطاء بعضهم مبررات للتظاهر والاحتجاج. هل غيّرت الحكومة الجديدة هذه الاستراتيجية الثابتة؟ وهل تغيّرت أحوال الناس التي عرفوها في السنة الأخيرة، بحيث بات "آمنا" اتخاذ قرار مثل هذا؟ أم، وهذا أكثر أهمية، هل تملك الحكومة الجديدة آليات جديدة "مناسبة" (بحسب تصريح الوزير)، بحيث لا تقع ميزانيات الأسر في ورطة نتيجة رفع الدعم، فلا يحتج أحد، ولا يغضب، بل يسعد المواطنون وينعمون لأن دعم حكومتهم بات لهم وحدهم؟
"الآليات المناسبة" هي مربط الفرس إذن، وهنا –ربما- يكمن الابتكار. أما إذا لم يكن ثمة ابتكار في الأمر، وهذا هو المرجح، فإن الحال سيؤول إلى ما آل إليه دوما: دعم مالي مباشر مؤقت، ينكمش حتى يضمر، مخلّفا وراءه ارتفاعا في أسعار كل شيء، من الخبز إلى الدواء. ما يعني أن على الأسر الأردنية أن تستمع لأغنية جوزيف صقر: "اسمع يا رضا: كل شي عم يغلى ويزيد"، فيما على الحكومة أن تتريث، ولا تكتفي بسماع صوت الصدى!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد