من الطرائف التي جرى تبادلها على شبكات التواصل الاجتماعي، عقب نجاح أحمد شفيق في بلوغ الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة المصرية، على غير ما كانت تفضي إليه معظم التوقعات واستطلاعات الرأي قبل إجراء الجولة الأولى، قول مفاده إن المصريين "أبهروا العالم لمّا أسقطوا النظام، ثم أرادوا أن يبهروه مرة ثانية، فأرجعوا النظام"!
والحق أن المصريين أبهروا العالم فعلاً، حين صوّت نحو ربع من شاركوا في الانتخابات لصالح آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع، وصوّت ربع آخر منهم لصالح الخصم التقليدي للنظام القديم، أي جماعة الإخوان المسلمين التي شاركت في الثورة بعد تردد، واقتراب وابتعاد عن رجال النظام في أيامه الأخيرة، بما في ذلك حضور ممثليها اجتماعات تشاورية عقدها عمر سليمان عقب تعيينه نائباً للرئيس، وقاطعتها قوى الثورة، لتدارس حل "المسألة" سياسياً؛ ما يعكس سلوكاً إخوانياً انتهازياً تجاه الثورة، لا يمكن معه عدّ النجاح الإخواني في أي انتخابات بمثابة نجاح لقوى ثورية.
ما يمكن قوله اليوم عن الثورة المصرية، في ضوء نتائج أول انتخابات رئاسية تنازلت فيها القوى الثورية مع القوى التقليدية، فكانت الغلبة للأخيرة، هو أن نصف الشعب هو الذي أسقط النظام، فيما لزم النصف الآخر الصمت لأنه لم يكن مؤيداً لنظام مبارك، تماماً كما لم يكن راغباً في الثورة عليه!
وهكذا، فإن الذي تحقق في مصر حتى الساعة لم يكن "ثورة" مكتملة، وإنما "نصف ثورة". لذا، ما تزال "الدولة"، التي هي للنصفين معاً، تتأرجح بين "الجمهورية الثانية" والعودة إلى "الجمهورية الأولى" بتعديلات شكلية طفيفة لا تمس جوهر شكلها العام وأداءها.
ها نحن، العرب، نبدي إذن اهتماماً كبيراً بما يدور في مصر، ونزن ما يجري فيها بميزان دقيق لنستشرف مآلات ثورتها، كما لم نفعل مع ثورة تونس، وثورة ليبيا، وثورة اليمن. وهذا طبيعي، فمصر هي التي انبثقت فيها أحلام النهضة العربية الأولى قبل قرنين من الزمان، في دولة محمد علي وفكر رفاعة الطهطاوي، ومصر هي التي انكسرت فيها أحلام النهضة العربية الأولى، مع انهيار مشروع محمد علي بوصول الاستعمار الأوروبي العسكري، وانهيار فاعلية أفكار الطهطاوي منذ ظهور أيديولوجيات الأفغاني. وكأننا نقول في دواخلنا، إن استعادة حلم النهضة يبدأ من نجاح مصر في ثورتها؛ ثورة كاملة تستعيد فيها طموحات الدولة المدنيّة ومبادئ المجتمع الديمقراطي، لا نصف ثورة مترددة بين طريق النهوض وطريق السلامة.
هل نلقي، نحن العرب، على المصريين حملاً ثقيلاً لا ذنب لهم فيه؟ هل نحمّلهم عبئاً تاريخياً لا طاقة لهم به، ولا يجوز أن يحملوه وحدهم؟ ربما كان الأمر كذلك، وهم اليوم ليسوا أكثر الشعوب العربية استعداداً لحمل أحلام النهضة، كما كانوا قبل مئتي سنة؛ إذ لم يعودوا أكثر المجتمعات العربية تمدناً، بالمعنى الثقافي للكلمة الذي ينطوي على قيم احترام التنوع والتعدد والاختلاف وحرية الرأي والاعتقاد، وفكرة المواطنة على أساس الحقوق والواجبات، بعد أن تعرض وعيهم الجمعي لتخريب هو، في الحقيقة، أكبر جرائم النظام القديم، نتيجة الفساد السياسي والمالي الذي عرفته بلادهم، على ما فيها من خيرات وموارد.
علينا، نحن العرب، أن نكون أكثر موضوعية إذن، وأن لا نطالب المصريين بما لا طاقة لهم به، فمن الطبيعي أن لا تقوم عندهم ثورة كاملة قبل أن تكتمل شروط المدنية والمواطنة في وعي نصفهم الذي التزم الصمت. لقد "فهمنا غلط"، واعتقدنا أن الدنيا يمكن أن تتغير في يوم وليلة، ثم ها نحن نعبّر عن صدمتنا إذ نكتشف أن الذي وقع في مصر ليس إلا "نصف ثورة"!
جريدة الغد
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد العلوم الاجتماعية